لا يلتبس تعريف الانتصار عند الأمة القوية في أنه تغير في وضعها بإحراز تقدّم ما، كما تفهم الأمة القوية أيضا أن هذا الانتصار لا يقاس بمجرد مفاضلة موضعها الحالي بالسابق، إنما يقاس بمفاضلة التغير الحاصل بين هذين الموضعين بالنسبة للتغيرات من قبله، أن تتراجع 10 سنوات ثم تتقدم بنفس مقدار هذا التراجع، فهذا لا يعدو استردادا لموضعك، لا أكثر، إن لم يكن هزيمة أمام كل من تقدّموك بمجموع الفترتين. أضرب المثل هنا في الزمن، لأن الأمة القوية تفهم أن عليها مراعاة الزمن في تحديد ما إن كانت انتصاراتها حقيقية أم لا.

في 5 يونيو 1976 ستشن إسرائيل هجمتها على مصر وستحكم إثرها السيطرة على سيناء والضفة الشرقية من قناة السويس، فيما سيُسوَّق على أنّه النكسة ليأتي السادس من أكتوبر 1973 كاسترداد ما تم فقدانه في النكسة وتُحكِم مصر سيطرتها مرة أخرى على كامل أرضها (على فرض حدوث هذا فعلا) فيما نعرفه بالانتصار.

يميل العامّة إلى تجنب مرارات الهزيمة وهم نحو هذا يسلكون كل الطرق إلا طريق تفنيد أسباب الهزيمة ومن ثمّ مواجهتها، لماذا؟ لأن هذا الخيار ربما يكشف لهم أوضاعهم العاجزة، كعامّة نحو صناعة التغيير، وكونهم في هذا مُحمَّلين بقدر ضئيل، اعتادوه، من مسؤولية الهزيمة. فضلا عن هذا،  فالهزيمة  في ذاتها، تُحمِّل الجميع قدرًا أكبر من مسؤوليته المعتادة، بهدف تحويلها إلى نصر. لسبب كهذا، وكون الاعتياد هو عماد حياة العامّة، سيخرجون منادين بعودة قائدهم من بعد خطاب التنحي، لأنهم أوهن من حمل فائض المسؤولية التي اعتادوها، والناتج جراء الهزيمة. فما البال إن كان فائض المسؤولية في تلك اللحظة هو قبول تنحي القائد العظيم، الذي صنعوه، إن كان مسؤولا عن الهزيمة نفسها!

تتقدم هولندا في مباراة كأس العالم الأشهر في تاريخ مصر بهدف ثم يأتي هدف مجدي عبد الغني للتعادل، ويتم الترويج لهذا الهدف على أنه إنجاز مصر الأكبر في كأس العالم، وهذه حقيقة فعلا، سيتناسى الناس بالتكرار، أن هذا الهدف لم يكن أكثر من هدف تعادل عن خسارة.

أحد أهم الطرق التي يتم تخليقها إلى العامة، بما يلاقي هواهم الطبيعي نحو تجنب مرارات الهزيمة، هو الانتصار الزائف، ويتم هذا من خلال طريقتين.

الأولى، بالتدخل المباشر وتسويق رفع الهزيمة على أنه انتصار، في استدعاء لميول العامّة نحو التهويل والرغبة في الارتخاء إلى الانتصار.

الثانية، تقويض أية انتصارات قد يحققها العامّة في حيواتهم الشخصية، مع الحرص، من حين إلى آخر، على مواربة الباب لهم، نحو تحقيق انتصارات صغيرة ومحدودة الحجم، ثم يتم غلقه سريعا، فلا يمتلكون إثر هذا، لا إراديًا؛ وبنفس الميل إلى التهويل والرغبة في الارتخاء إلى الانتصار؛ إلا تضخيم تلك الإنجازات الصغيرة على أنها انتصارات عظمى.

لا شك أنه بمرور الوقت ومع اعتياد العامّة للهزيمة وانتشائهم بالانتصارات الزائفة كأحد آليات الهروب من المواجهة، يبدأون في إلف تلك الحالة حد التماهي معها وكأنهم صاروا جزءًا من الهزيمة وصارت جزءًا منهم، كأن تصارح أحدهم بحقيقة الهزيمة فيجيبك بابتسامة رقيعة: “آه .. أنا مهزوم وراضي بكده”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد