بعد عدة سنواتٍ في قراءة رواياتٍ لكبار الكتاب، أصبحت أصنفُ الروايات لـ3 فئاتٍ، وأحدد الفئة بعد التوغل ولو قليلًا في صفحاتها قراءةً؛ أما الفئة الأولى فهي الرواية الثقيلة لغةً وبناءً وحبكةً وتنوعًا وثراءً في شخصياتها ومصائرها، والتي تكشف في الغالب عن كاتبٍ متمرسٍ، أو مغامرٍ مغرمٍ بالتجريب.

أما الفئة الثانية فهي الرواية المقبولة التي قد لا تكون لغتها قويةً، ولا شخصياتها مرسومةً بدقةٍ، ولكن فكرتها جديدةٌ أو غير مطروقةٍ، فتواصل القراءة للنهاية لتعرف نهاية هذه الفكرة «الطازجة».

في حين تكون الفئة الثالثة تتركز في الرواية السريعة «الخفيفة»، هي نوعية غير معقدة، وفى الغالب لا تعتمد على قصةٍ واحدةٍ؛ بل مجموعة حكاياتٍ قد يرى الكاتب أنها تصلح لمزجها في عملٍ روائي واحدٍ، لا تكرهها ولا تُفتن بها، وفى الغالب أيضًا تقرأها لمرةٍ واحدةٍ.

تنتمي رواية «كونداليني» للكاتبة المصرية ميرنا الهلباوي والصادرة هذا العام عن دار «الكرمة للنشر والتوزيع»، للفئة الثالثة من تقسيمة الروايات التي اعتمدتها منذ فترةٍ؛ فهي روايةٌ لغتها بسيطة جدًا، الأحداث غير معقدةٍ، ولا غموض في مصائر شخصياتها، رواية شديدة المباشرة.

تتناول الرواية حكاية سيدةٍ نعرف من الصفحات الأولى أنّها تعمل في بنكٍ، متزوجة من «أدهم»، البدايات توحي أنّ علاقتهما متوترة نوعًا ما، فضلًا عن شخصيتين يظهران في الفصل الأول من الرواية وهما: «عمر»، زميل بطلة الرواية في البنك، ثم «شمس»، صديق البطلة وزوجها منذ زمنٍ.

تكشف الصفحات الأولى عن معاناة بطلة الرواية من ألمٍ أسفل ظهرها، يقيدها عن الحركة ويزعجها، هذا الألم الذي يكون سببًا في سفر البطلة إلى الهند، وقضاء فترةٍ زمنيةٍ تصل إلى 3 أشهرٍ ونصف الشهر، تشتركُ خلالها في معسكر «لليوجا» تنظمه إحدى شخصيات الرواية وتدعى «كيارا»، فى منطقة «جوا» بالهند، في محاولةٍ من بطلة الرواية لتعود من هذه الرحلة الروحية شخصيةً جديدةً بدون الألم الذي يؤرقها، ولا المشاحنات التي تعكر حياتها الزوجية مع «أدهم».

عبر «7» فصولٍ قصيرةٍ تشترك بطلة الرواية في جلسات «اليوجا»، تتذكر خلالها عبر تقنية «الفلاش باك» أو الرجوع للوراء، أحداثًا منذ ولادتها لأب يدعى «شريف» كان يكره «خِلفَة البنات» كما يقول المصريون، ثم حياتها المضطربة وشعورها بالنقص وسط زملائها في المدرسة، وتعرفها في ما بعد على شخصٍ يدعى «أحمد»، اقتحم حياتها، وظل وراءها حتى نشأت بينهما قصة حبٍ مبتورةٍ.

لم تنتهِ حكاية البطلة و«أحمد» عند الزواج، أو الفراق العادي الذي يكون دائمًا مصير أغلب قصص الحب غير الناضجة، ولكننا على موعدٍ مع قصةٍ تقليديةٍ جدًا لهذا الشاب، حدثت لكثيرين، اختفى هذا الشاب عن البطلة لمدة تسع سنواتٍ كاملةٍ، نحن الآن في يناير 2013، وقت صعود جماعة الإخوان المسلمين للحكم، ووجود الدكتور محمد مرسى في قصر الرئاسة، وعن طريق الصدفة تعثر بطلة الرواية على حبيبها القديم، من خلال قراءة التعليقات على منشورٍ سياسي يهاجم جماعة الإخوان المسلمين، تُرسل له طلب صداقةٍ، يقبله، يتبادلان فيما بعد مناقشاتٍ هادئة، بها بعض البرود من ناحية «أحمد».

مع الوقت تكتشف البطلة أنّ حبيبها أصبح مقيمًا في السعودية بعد شفائه من الإدمان، وأصبح مؤيدًا لجماعة الإخوان المسلمين، وتنشأ بينهما اختلافات في وجهات النظر السياسية، ويتشدد «أحمد» أكثر بعد الإطاحة بـ«مرسى» من الحكم، بل ينضم في ما بعد لتنظيم «داعش» الإرهابي، وتفقد البطلة أي أملٍ في رجوعهما مرةً ثانيةً.

بعد ذلك، نجد بطلة الرواية في قصة حبٍ مبتورةٍ أيضًا مع «محمود»، الشاب الذي يقتحم خلوتها أثناء القراءة في القطار، ولكنها تتفن في فعل ما يجعله يكرهها، هي أصبحت كما تقول في الرواية: «لم أكن أريد أن أفعل بمحمود ما فعله بى وغدى الخاص، وغد حياتى تركنى أنزف وأتألم وأشتكي وألعن حياتي، من دون أن يمد لى طوق نجاة، فقد كسر قلبي واختفى»، وبالطبع ينهى «محمود» هذه القصة الرومانسية المبتورة أيضًا عن طريق رسالة يُرسلها لها.

عبر الفصول التالية تعود بنا البطلة لمرحلةِ طفولتها عندما كانت في الصف الخامس الابتدائي، وهنا نرى أحاديث عن الجنة والنار، والسفور والحجاب من خلال قصة زميلتها فى المدرسة «بثينة» المحجبة، وكذلك التساؤلات التقليدية عن الحب: هل هو حرام أو حلال.

وفي الفصول التالية نرى البطلة في ديسمبر (كانون الأول) 2013، وهى تعمل صحفيةً فى إحدى المجلات الأسبوعية، وتتعرض للتحرش الجنسى من قبل إعلامي شهيرٍ كانت تجرى معه حوارًا للنشر في المجلة التي تعمل بها.

لا يُنشر الحوار بعد أن ترسله للمجلة بدون اسم، ولكن يتعرض الإعلامي لفضيحةٍ بعد ذلك؛ إثر اتهامه من قبل زميلاته في القناة بالتحرش بهنّ، ويطلبها «عادل»، مدير تحرير المجلة، لتدليّ بشهادتها ضد الإعلامي المتحرش، ولكنها لا تفعل، لأن الحادث مر عليه عامٌ، كما أنها تختار السكوت عما حدث وتصف ذلك بـ«الضربة القاضية» لها؛ لأنها كانت طول عمرها شجاعة تنتقد الفساد وتتحدث في السياسة وغيرها.

الفصول الأخيرة من الرواية هى الأكثر «ارتباكًا»، لدرجة الغرق فى «التقليدية»؛ أحاديث زائدة عن أغاني لعمرو دياب، ثم شفاء البطلة من الآلام التي تعانيها، وعودتها للقاهرة، ولقائها بزوجها، ثم ذوبان كل الخلافات بينهما، ليعودا ثانيةً لممارسة حياتهما الزوجية كحبيبين.

كما قلت فى البداية فإن الرواية «خفيفةٌ» سلسلةٌ؛ لغتها عادية جدًا، غاب الترتيب الزمني في بعض أحداث الرواية، فنرى البطلة كبيرةً تتورط فى قصص حبٍ، ثم تعود بنا ثانيةً لطفولتها وتحكي عن داء السرقة الذي كان يطاردها، نتحدث عن انهيار نظام الإخوان، ثم نعود ثانية للفترة التى سبقت ذلك بما يقرب من سبعة أشهرٍ، ومن الممكن أن تكون الكاتبة وظفت هذه الأحداث فى رحلتها مع «اليوجا» التى تريد من خلالها البحث عن روحها، والتخلص من متاعب نفسية وجسدية تؤرق حياتها، وبالفعل تنجح فيها.

الحكايات التى كانت تبدأ بها الكاتبة فصول الرواية، والتى كانت تدور حول الأساطير، والآلهة، والحكايات القديمة، لم أستطع «هضمها»، ولا أعرف علاقتها بالرواية، وربما تكون هذه البدايات فى الفصول نوعًا من تهيئة الأجواء للأحداث التي تقع فى منطقة بالهند هى «جوا»، وكذلك الجو الخاص بـ«اليوجا».

لا يمكن الابتعاد عن الربط بين الإقبال على شراء رواية «كونداليني»، وتصدرها قوائم الأعلى مبيعًا في «دار الكرمة» لفترةٍ، وبين الشهرة التى تتميز بها الكاتبة ميرنا الهلباوي بين الأوساط الشبابية في مصر؛ باعتبارها إعلاميةً ومدونةً وصحفيةً سابقًا، ولو أنّ هذه الرواية أنتجها كاتبٌ أو شخصٌ عادي، لكانت عملًا عاديًا وسط مئات الرواية التي تصدر سنويًا، ونراها فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، وبالطبع هذا ليس رأي سلبي عن الكاتبة أو روايتها، ولكن تفسير أراه منطقيا من وجهة نظري على الأقل، لارتفاع مبيعات الرواية.

يبقى عزيزي القارئ أن تعرف ماذا تعنى كلمة «كونداليني»، خاصة أن الاسم غريب، وقد يثير اندهاشك من أول نظرةٍ على غلاف الرواية، ولكن لا يمكن إنكار أنه اسم جذابٌ وذكي.

بحسب الكاتبة فإن «كونداليني» تعنى نوعًا من أنواع اليوجًا، وفى الديانة الهندوسية منشق منها تمارين اليوجا، وهى طاقة توجد أسفل العمود الفقري.

تكشف السيرة الذاتية لـ«ميرنا الهلباوي» عن أنّها تخرجت فى إحدى المدارس الفرنسية وهى من الإسكندرية، درست السياحة والفنادق، وهي مغرمة بالسفر، وكرة القدم، وبدأت مشوارها فى الكتابة بالتدوين عام 2011، ثم انتقلت للعمل فى مجلةٍ مصريةٍ شهيرةٍ، وهى التى أجرت الحوار العربى الوحيد مع رئيس تحرير مجلة «نيوزيك» الذي أعاد نسختها المطبوعة.

اختيرت من «الأمم المتحدة» لتكون ضمن المروجين لنشاطات الهيئة ولعمل توعية بقضايا المرأة والمساواة بين الجنسين، كما عملت فى إذاعة «إنيرجى»، وصدر لها رواية «مر مثل القهوة.. حلو مثل الشوكولا» والتى حققت مبيعاتٍ عاليةٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد