كل شيء في أوانه حسن، فلا تبتأس أو تيأس من تأخر بلوغ ما تخطط له، تحيَّن الفرصة ولا تنم حتى تطرق بابك؛ فالنجاح يأخذ وقتًا طويلًا منك في التحضير. كان ثروت أباظة قد أهدى نسخًا من روايته (ابن عمار) لكل من يعرفهم من الصحافيين والنقاد، ومضى وقت بعد ذلك وهو ينتظر أن يكتب أحد هؤلاء النقاد عن روايته. لم يحالفه الحظ فيما رمى إليه؛ فأسف لهذا التجاهل الذي لا يفهم مبرره، ثم حكى لتوفيق الحكيم القصة، وقد استبد به الحزن أن واحدًا من النقاد لم يكتب سطرًا في نقد الرواية. كان الحكيم تشاؤميًا في رده على أباظة؛ فقال له: الشهرة في هذا البلد لا تأتيك من الكتب والأدب، إن شئت أن تكون مشهورًا فهناك طريقة مضمونة وسهلة في ذات الوقت؛ رتِّب مع راقصة أن تصفعها بالقلم على وجهها، أو أن تصفعك هي مقابل أن تدفع لها، فإن فعلت؛ طاردتك الشهرة وكتبت عنك الجرائد، دون تجشم عناء التأليف.

بعد أيام من تلك الواقعة التقى الرجلان في مقهى بترو بالإسكندرية، حيث يعتبر من المقاهي الثقافية التي اجتمع فيها الأدباء والمثقفون، فبادر الحكيم بتهنئة أباظة قائلًا: مبروك يا سيدي قرروا كتابك على المرحلة الإعدادية؛ عندها امتزجت مشاعر متناقضة من الفرحة والدهشة التي بلغت حد الذهول على قسمات وجه أباظة، الذي سأل بلهفة: صحيح؟ فناوله الحكيم جريدة الأخبار، وقد نشر بها الخبر. ربما تكون في الاتجاه الصحيح، ومع ذلك لا تسمع لكلمة تشجيع أو ثناء تستحقه، فهل معنى ذلك أن تنسحب من الملعب وتقرر الاعتزال؟! سوف يتجاهلونك ثم يستميتون في طمس نجاحاتك؛ فإن صمدت سيرفعون لك القبعات ويمتدحون سعيك الذي لم يعجبهم في البداية، ولن يفعلوا ذلك حبًا فيك، وإنما لأنك نجحت ولم ترضخ لأخاديد الفشل التي سعوا في حفرها لك.

كن واثقًا من قدرتك على تحقيق أهدافك؛ فهذه الخطوة الأولى على درب النجاح، ثم لا تتوقع أن يساعدك الناس ولو بكلمة تحفيزية؛ فحفز نفسك واشحذ قدراتك. لقد سقطت سيلفيا بلاث في شرك الانتحار؛ لأنها كانت تستمد ثقتها بنفسها من كلمات زوجها الشاعر الإنجليزي تيد هيوز؛ فلما خانها مع جارتها، آسيا ويفيل، شعرت بلاث بأن ثقتها بنفسها قد محقت؛ فأسلمت ساقيها للانتحار وأعطت ظهرها للحياة. لقد سيطر اليأس على الكثير من مشاعر بلاث، ولكنه لم يسيطر على مشاعرها بالكامل؛ فهي وقبل تنفيذها لعملية الانتحار قد أعدت الحليب والخبز لطفليها فريدا ونيكولاس!

إن القليل من مشاعر الإحباط والفشل واليأس يقضي علينا، فكن على قدر المسئولية؛ فاربع على نفسك ولا تقس عليها بالجلد ولا التعنيف، وافعل ما ينبغي عليك بمثابرة وإصرار مع المداومة على المحاولات بصدق، فإن هذه الخطوات تتكفل لك بعد توفيق الله تعالى أن تبلغ الغاية التي ترسمها والأهداف التي تتوسمها. الكثيرون ممن تعجلوا طرق الشهرة لم يحققوها، ربما تعلة ذلك أنهم لم يركزوا في الطريق الذي يقودهم للشهرة، ولم يتقنوا الخطوات التي كان عليهم تنفيذها ليحصلوا النجاح ويصلوا إلى ما يريدونه.

ما حك جلدك مثل ظفرك ** فتول أنت جميع أمرك

لقد كان قرار تدريس رواية (ابن عمار) لطلاب المرحلة الإعدادية يؤكد أن الرواية تستحق التقدير، كما أنها تستحق الإشادة والتشجيع من النقاد لهذا الكاتب، كما امتدح سيد قطب في أربعينات القرن العشرين الأديب الشاب يومها نجيب محفوظ، وقد بلغ من إعجاب قطب برواية محفوظ (كفاح طيبة) أنه كتب: وددت لو أن بإمكاني طباعة هذه الرواية وإهداء نسخة منها لكل شاب وكل فتاة على أرض مصر. الإشادة أو النقد الموضوعي لم تحظ به رواية ابن عمار، وكأنها لم تر النور من الأساس، ولكن تغيرت الأمور بعدما عرفت دور النشر اسم مؤلف ابن عمار؛ ففتحت أبوابها لنشر رواياته التي لفظتها من قبل! ونشرت رواية (هارب من الأيام) بسهولة، مقارنةً بما سبقها من أعمال أباظة.

إن كان لديك ما تقدمه فلا تخش الرفض، ولا تتوقع التشجيع من أحد، ولا أقول ذلك لتيأس؛ بل لتعتمد على نفسك فالأشجار تقف شامخةً دون الحاجة لدعامة، بينما ترى الحشائش والشجيرات لا تقو على الوقوف بمفردها؛ فكن شجرةً ولا تكن شجيرة. بعدما يعصف نجاحك بأسماعهم ستراهم يتقاتلون ويتسابقون لينال كل واحد منهم شرف تهنئتك بالنجاح المذهل الذي حققته، وقد تردد في نفسك: يا إلهي! لقد كنت بالأمس في حاجة لكلمة تشجيع واحدة، ولكنهم بخلوا بها، بينما يتقادعون تقادع الفراش في النار بعدما زهدت في ثنائهم وإطرائهم! وهذا ليس بالأمر الغريب على بني البشر، ربما يرجع لبخل مشاعرهم وأنانية تفكيرهم، أو لأنهم يتحرجون في تقدير بعضهم بعضًا، أو لأنهم لا يرون أن أحدًا يستحق مدحهم الثمين! أو غير ذلك من الأسباب التي لا نهاية لها.

لم يخسر قطب شيئًا عندما امتدح محفوظ عام 1944 وقبل أربعة وأربعين عامًا من حصوله على نوبل، وكان بوسع النقاد أن يدفعوا أباظة للأمام بكلمات التشجيع والنقد البناء، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. ولأثبت لك أنهم سيتقاطرون لتهنئتك بالنجاح الذي لم يتخيلوه، اسمح لي أن نمضي قليلًا مع ثروت أباظة؛ فبعدما نشر رواية (هارب من الأيام) تاقت نفسه للتقدم بها لجائزة الدولة التشجيعية في عام 1957، وهو العام الأول الذي ظهرت فيه الجائزة، وكان حذرًا في هذه الخطوة؛ إذ إن عمالقة كبار قد تقدموا لهذه الجائزة.

بعد أيام فاز أباظة بالجائزة من بين كل المتقدمين لها، وكانت دهشته لا توصف؛ إذ إن من أخبره بالفوز هو الشخص الوحيد الذي كان ضد فوزه بالجائزة، وقد برر رفضه للرواية بأنها لم تعجبه! فلما أصرت الرواية على تقديم رفض منطقي، لم يجد هذا الشخص بدًا من الموافقة على فوز أباظة؛ ليفوز بإجماع اللجنة. نفس الرجل الذي كان ضد فوزه بادر بتقديم التهاني! هذه ليست مقتطفات من الإلياذة أو الأوديسا، بل هي لقطات من الحياة الواقعية التي نعيشها كل يوم؛ فلا تركن لمديح الناس ولا لقدحهم، وامض في سبيلك الذي تخيرته لنفسك، والسعيد من اتعظ بغيره.

وحيد من الخلان في كل بلدة ** إذا عظم المطلوب قل المساعد

وإليك هذا السؤال: ماذا يخسر العالم إذا ما قررت الانسحاب؟ وما يضير الشمس والقمر والكواكب إن تقوقعت على نفسك وآثرت العزلة؟ اصدق في الجواب! أنت فقط من يخسر؛ فلا تنتحل أعذارًا كاذبة تسمح لك بالبقاء في دائرة الراحة، ولا تشغل نفسك بغير ما يفيدك. إن كان الناس يصفقون للناجحين وقد انشغلوا عنك أو تشاغلوا؛ فلما لا تنحت الصخر وتنجح، ولا تفكر في الناس وتصفيقهم. انجح لنفسك أولًا، ثم انجح لأجل كل من يرى فيك قدوةً يطمح لأن يصل لما وصلت إليه، ولا تنجح لتثبت للناس شيئًا، فقط انجح لأنك تستحق النجاح، ولأن من وضعوا فيك ثقتهم يستحقون أن يفرحوا بك. ليس كل ناجح في عمله يشد الناس على يده؛ فإن وضعت هذه الكلمات جلدةً بين عينيك؛ لأرحت نفسك من عناء ترقب ردود أفعالهم لقاء ما تمارسه، ولأوجدت لنفسك متسعًا من الوقت لتبدع وتنجح.

لا تتعجل الشهرة؛ فإن العجلة مهلكة مهلكة، وسبيل غير رشيد لبلوغ الأهداف التي نريد اقتناصها، وقد قيل: كل شيء في أوانه حسن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد