سافرت منذ عدة سنوات لحضور مؤتمر ما بمدينة الغردقة، وعلق بذاكرتي بعض المشاهد الصغيرة للآباء وأمهات أجانب مع صغارهم، أفضلهم على الإطلاق ذلك المشهد اليومي في قاعات الطعام، حيث يمسك كل طفل بطبقه الخزفي، ويختار طعامه، ثم يحمله إلى طاولته بسلاسة، ويتناول طعامه، دون تدخل، أو صراخ من الوالدين. و لاداعي لذكر ما كان يحدث من المصريين والعرب عمومًا في نفس القاعة؛ فأنتم تعرفون جيدًا ما الذي يحدث.

من حق الطفل على والديه أن ينميا مهاراته الوظيفية باختلاف أنواعها، وإكسابه المهارات الحياتية المتعددة، وهذا الأمر ينبغي البدء به منذ طفولته المبكرة. ولا أتحدث هنا عن الأبناء الذكور فقط، وإن كان لدينا حاجة ماسة في تربيتهم على تحمل مسؤليتهم الخاصة والعناية بأمور معيشتهم، ليس فقط تحسبًا لطوارئ الضرورات، من سفر ونحوها، بل لأن الطبيعي أن يقوم كل إنسان على خدمة نفسه، ذكرًا كان أو أنثى.

فكثير من المربين يفرق بين الذكور والإناث في الوظائف المنزلية، وحججهم في ذلك واهية، ولا يفوق هؤلاء المربين سوءً  إلا هؤلاء المربون الذين لا يشركون أبناءهم – ذكورًا وإناثًا – في المهام المنزلية، فينشأ الصبي والفتاة نشأة اعتمادية على وجود من يخدمه.

تبدأ شخصية الطفل في التشكل منذ سنوات عمره الأولى، أقصد هنا – بالشخصية – شيئين: القيم التي يؤمن بها، والمهارات التي يستطيع القيام بها. فالطفل الذي يساهم في المهام المنزلية يتعلم قيم التعاون والصبر، ويتعلم مراعاة الآخرين، وتقدير الخدمات والأعمال التي يقوم بها غيرنا خدمة لنا. بعكس الطفل الذي تلبي الأم أو الأب أو المربية كل طلباته، وتقوم بالتنظيف والترتيب بدلًا عنه، حيث ينشأ هذا الطفل – أو الطفلة – لا مباليًا، أنانيًا، معتادًا على الأخذ دون العطاء، غير مقدر لما يقدمه الآخرون له، ويعتبره حقًا مكتسبًا له.

والطفل الذي يساهم في المهام المنزلية ينمو جسده نموًا صحيًا، حيث يبذل مجهودًا حركيًا؛ فتتحسن قدراته الحركية وإتزانه الشخصي، بالإضافة إلى أن بذله للمجهود البدني يجعله أكثر صحة، وأقل عرضة لأمراض السمنة، ونحوها.

ونضيف لفوائد مساهمة الأطفال في الأعمال المنزلية نقطة تتعلق بنموه وإتزانه النفسي، فالطفل الذي يساهم بصورة ثابتة في المهام المنزلي يشعر بالتقدير والإنجاز، والانتماء لكيان الأسرة، ويجعله أكثر قدرة على العطاء، وأكثر تعاونًا وتفهمًا لما يفعله الآخرون من أجله. فالطفل الذي يساهم في المنزل؛ سيكبر ويصبح زوجًا متفهمًا، مراعيًا لما تبذله زوجه له من رعاية واهتمام، ولن يسألها السؤال الذي يسأله أغلب أزواج اليوم تهكمًا وانتقاصًا لدور الزوجات: «كنت بتعملي إيه طول اليوم؟»

متى يبدأ الطفل في تحمل المهام اليومية؟ وأي أنواع المهام تصلح لأي جنس؟

من الممكن أن يبدأ الطفل من عمر سنتين ونصف أو ثلاث سنوات، ولا يفضل أن يترك حتى الرابعة، دون أن تكون له مهام محددة واضحة في أعمال المنزل. وكل الأعمال المنزلية تصلح للجنسين دون تفرقة، فالبنت والولد كلاهما قادر على ترتيب غرفته، وطي ملابسه، والكي، والطبخ، وأعمال التنظيف والغسيل عندما يكبرون. فالتفرقة بين الذكور والإناث في أعمال المنزل ليس دينًا ولا قانونًا ينبغي اتباعه، بل هو عرف ثقافي يمكن – بل بالفعل بدأ – تغييره.

وأخيرًا: ماذا يمكن لصغاري أن يفعلوه، بدءا من هذه اللحظة للمساهمة في المهام المنزلية؟

قم بعمل بحث عن قائمة المهام المنزلية التي يمكن لأطفالك أن يقوموا بها حسب سنهم، وستجد الكثير من النتائج، ثم صمم جدولًا مرحًا بالمهام المنزلية المطلوبة من كل أفراد الأسرة (يشمل هذا مهام الوالدين داخل المنزل، وليس منها الذهاب للعمل)، وعلقها في مكان بارز، بحيث يقوم كل فرد بشطب المهمة التي ينجزها، وحددوا مكافأة جميلة للذي يلتزم بإنجاز المهام، ويفضل أن تتضمن هذه المكافأة نشاطًا عائليًا، كالخروج في نزهة، أو صنع وجبة معًا، فأفضل الأشياء التي تقدمها لأطفالك أن تشاركهم وأن تكون حاضرًا من أجلهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد