ما أكثر ما يفتقده المهاجرون عند المغادرة؟

أوطانهم؟ منازلهم؟ عائلاتهم؟ أصدقاءهم؟

بل أنفسهم.

أنت لا تعود كما كنت أبدًا بعد أن تغادر!

غادر أهلي للاستقرار في دولة أجنبية منذ شهر الآن – تاريخ كتابة هذا النص- يفصلني عنهم بحر، بضع ساعات بالطائرة، والكثير من الموانع البيروقراطية.

ما أبوح به في هذه الأسطر يراودني منذ مدة طويلة، من قبل رحيلهم حتى، بمجرد أن تقرر أمر الهجرة رسميًّا أخذت أستشعر حجم الفراغ الذي سيتكون بوصولهم هناك.

يعتقد الكثيرون أن وسائل الاتصال الحديثة بكل التسهيلات التي قدمتها تستطيع تقليص المسافة، وتعويض البعد، وقد يصح هذا أثناء عطلة أو سفر قصير أو رحلة عمل تمتد لعدة أشهر، ولكن العلاقات المقربة والمدد الطويلة لا يمكن أن تجتمعا أبدًا، مهما حاولنا ومهما بدا لنا أننا نفعل ذلك.

أكثر ما يخيفني في هذه التجربة، أنني بعد سنوات من الأن لن أعرف إخوتي، سيتغيرون علي كثيرًا، سيكتسبون طباعًا جديدة، عادات أخرى، تفضيلات مختلفة، وسأنظر إليهم من بعيد جدًّا وأنا في محط الغريبة التي تستقبل ضيوفًا جدد لأول مرة، لن يكون بإمكاني معرفة أصدقائهم، ولا أفلامهم المفضلة، ولا ميولهم الفنية والموسيقية، سأواجه المسمى نفسه بشكل ومضمون غريبين علي.

لن أشاهد أخي وهو يكبر، ويبلغ، ويصير شابًا قد نبتت على وجهه أولى شعيرات الشوارب واللحية، لن أرى أختي وقد صارت صبية مسؤولة بإمكاني الاعتماد عليها بدل اعتمادها علي، كما كان الحال قبل ذهابها، سيعودون كل صيف لقضاء العطلة هنا، وربما في عطلة أخرى واثنتين بين الشتاء والربيع، ولكنها ستبقى أوقات مقتطعة من الحقيقة المعاشة، ستكون حياتهم الحقيقية وحياتي بعيدة كل البعد عما قد يحدث في تلك العطل.

نقول دائمًا إننا سنبقى على تواصل دون انقطاع، وأننا سنتشارك كل شيء بالصوت والصورة والفيديو. نعم سنفعل، في أول يوم وأول أسبوع وأول شهر وأول سنة، ثم ماذا بعد؟ سيتقلص حجم التبادل تدريجيًّا إلى أن يتلاشى، وقد يبقى تواصلًا شكليـّا في أحسن الأحوال، عندما يبدأ الأولاد بالاندماج في المجتمع الجديد ستتغير أولوياتهم واهتمامتهم وميولهم، ولن أتمكن من مواكبة هذا ولا مسايرتهم مهما حاولت، لم أر ولم أعش ما يعيشونه، ولن يستطيعوا أن ينقلوا لي واقعهم كما هو، خصوصًا وأنهم لا يعون حجم الأمر بعد، لا يدركون بعد أنهم سيفقدونني مثلما سأفقدهم.

رأيت العديد من النماذج السابقة التي مرت بالتجربة نفسها، والتي عزمت على ألا تقطع حبالها بمن وما يربطها، ولكن الواقع المعاش هناك كان له رأي آخر، نمط حياة متسارع بين دراسة ونشاطات وعمل ومساعي حثيثة في البدايات للتأقلم وإيجاد الذات هناك، بالطبع لن يمكن تحقيق كل هذا والتمسك بالنسخة القديمة من الشخص في الوقت نفسه.

إخوتي الذين أعرفهم – أو كنت – كما أعرف نفسي، وأفضل مما يعرفون أنفسهم، سيصيرون أشخاصًا غرباء عني، أسألهم عن عدد ملاعق السكر التي أضعها في حليبهم، وعن مقدار القهوة فيه، وأساسًا إذا كانوا مازالوا يشربونه أو لا؟

سأسألهم عما يودون أن يأكلوا، وأين أفرش لهم للنوم، وسأتأمل طويلًا في شكل هندامهم وذوق ملابسهم الذي تغير، سأحاول جاهدة أن أربط الشكل الذي أمامي بالصورة القديمة التي ما زلت أحتفظ بها قبل رحيلهم، ولكنني سأجد فجوة هائلة بين هذا وذاك.

لا أظنني ذكرت حتى الآن أن أمي سافرت معهما أيضًا، ولكن غيابها لم يؤلمني بالقدر نفسه ولا شعرت بفقدانها كما أستشعر الآن فقدان إخوتي الذين انتظرتهم طويلًا، ربما لأن الأم ستبقى أمًا مهما حدث ومهما بعدت المسافات بيننا؟

حتى قبل رحيلهم، كانت يومياتي مرتبطة بإخوتي أكثر، وكذلك هم، وعلى وجه الخصوص بأختي التي كنا نتشارك كل شيء أنا وهي، رغم الاثنتي عشرة سنة التي تفصلنا. أخي يكبرها بثلاث سنوات، تغيرت طبيعة علاقتي به في السنتين الأخيرتين لما بدأت تشتد عليه علامات المراهقة وإرهاصات ذلك التغيير، ولكنها عادت لتتوطد في شكل آخر فريد من نوعه في الأشهر التي سبقت رحيلهم، لا سيما وأننا قضينا قرابة العشرة أشهر الأخيرة في حجر تام لا نكاد نفترق نهارًا ولا ليلًا، والآن ها أنا أفقد كل شيء.

في لقاءنا القادم سيقولون «بيتنا، غرفتنا، عندنا هناك» سيتشاركون الكثير من الأحداث والقصص التي لا أملك عنها أدنى فكرة، سيصفون لي أماكن وأشخاصًا وأفكارًا وعادات، وسيبقى كل ذلك في الـ«هناك”» وأنا وذكرياتي عنهم في الـ«هنا».

حاولت مواساة نفسي بكل الطرق الممكنة، وأنه كان بالإمكان أن أغادرهم أنا لأتزوج مثلًا، فيرون ما أراه الآن ويتأملون تغيري واندماجي الجديد من بعيد، ولكني خلصت لأن المحيط أكثر تأثيرًا من أي تغيير حياتي آخر، لو كنت سأغادر المنزل لأتزوج في منزل آخر أو حتى ولاية أخرى بعيدة عنهم، لكان الأمر مختلفًا وأقل فقدًا بالطبع، كان بيتنا ليبقى هو، ومجتمعنا واحد، وذهنيتنا نفسها، وأحداثنا متشاركة، لم يكن أي منا سيضطر ليعيش تجربة إعادة التعرف إلى جزء منه في قالب جديد لا يعرفه.

هل يمكننا فعلًا التغلب على كل هذه المسافات المعنوية والفكرية -وليس الكيلومترية فقط- الممتدة بيننا؟ أسنستطيع الإبقاء على ذلك الرابط المميز الذي كان يجمعنا قبل الهجرة؟ أسنبقى جزءًا من بعض رغم كل التغييرات التي يتطلبها الاستقرار الجديد؟

أخشى وأكثر ما أخشاه ألا نستطيع، ولو قليلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد