في الجزأين السابقين ذكرنا طور حياة المدمن وأيضًا مؤثراته على المحيطين به، ولأن ما من شيء منها إيجابي، بل مهدم ليس للفرد المتعاطي فقط، ولكن الأسرة بأكملها تظل في انحطاط وتدني بكل المستويات المعيشية، ومن ثم يتضخم الوضع دون حل، ثم التأثير فيمن هم بالمجتمع الخارجي وصعوبة السيطرة عليهم، ولذلك حتمًا ولا بد بعد توضيح كل ما ذُكر وجود طرق من أجل العيش بسلام نفسي، وأيضًا حماية ما تبقى لدى المقوم النفسي  لأفراد الأسرة والمتعاطي أولًا.
طرق الحماية:-

– إذا كان المتعاطي هو الزوج ولديه أبناء، لا بد من إبعادهم عنه وتركهم أطول فترة عند الأقارب، حتى لا تكون الصورة الأبوية سيئة مكونة لدى أذهانهم وحتى لا يحاكوا سلوكه السيئ.

– عدم التعامل مع المتعاطي في حالة انتشاء المخدر، والتهرب من تلبية رغباته التي تنتج من أخذه للمخدر.

– إذا كان المتعاطي هو الزوج أو الابن فيجب النظر إلى الأصدقاء المقربين لديه، ومنع توفير سُبل التواصل معهم.

– إخفاء كل الأدوات التي قد يستخدمها المتعاطي في العنف الجسدي أو القتل، بحكم سيطرة المخدر، ليس على مدارك عقله فقط، وإنما لفقد جهازه العصبي مع نقص الأفيون الطبيعي بالجسم، إلى عدم القدرة على التحمل عند إلحاح المخدر عليه من خلال بعض الآلام التي يشعر بها.

– كثرة التحدث عن مخاطر إدمان الكحول والمخدرات، وعواقبها التي تهدم مستقبل الفرد، بل تدمر ما سعى إليه وتدمر ما حوله من علاقات، وينفرهم لعدم قدرتهم على تحمل أفعاله.

– بُعد الوسائل التي قد تزيد من انحراف المتعاطي أكثر من مجرد إدمانه لمخدر، بل قد يزيد الوضع بإدمانه سلوكًا آخر ينافي المعايير الدينية، الوسائل التي تسيطر على حواسه، «كإدمان الأفلام الإباحية» ومن ثم إقامة علاقات غير شرعية ذلك إذا لم تهتم الأسرة بمسألة إدمانه والاهتمام بها، بل الفشل في حلها واليأس يؤدي إلى عدم تكرار المحاولة في إبعاده «اللامبالاة»، وقد يزيد هذا الوضع سوءًا.

طرق الوقاية:-

– تقوية الوازع الديني بين أفراد الأسرة والمناقشة في مدى أهمية وجود قيم ومعايير تعبر عن قوة الشخصية والتي تحكم السلوك.

– تقوية الروابط الأسرية من تواصل جيد، إنصات جيد، وجود سيطرة، تقديم الدعم، التحفيز، التعاون، الحديث الذي يظهر مدى الاحترام والتقدير والمودة في العلاقة بين الوالدين والأبناء، وأكثر عن طريق الحديث حول سفرة الطعام، زيارة الأهل والأقارب، أهمية أعمال خيرية «المشاركة المجتمعية» في زرع اللين والعطاء والرحمة، وتنقية الجسد بما فيه من شحنات سلبية وتجديد طاقته، بل هي أقوى تدريب على تقويم سلوك الطفل وصلاح سلوك البالغ، هذه المسميات تحصد أفعالًا عند الكبر.

– زيادة عملية الرقابة والمتابعة إذا كان في مرحلة المراهقة، للنشئ في جميع جوانب حياته غير الملحوظة باستمرار حتى لا يشعر بالتقييد اللازم، بل تعليمه كيف يستفيد من عقله، وتعلمه معنى المسؤولية الشخصية عن أفعال الفرد، ولكن إذا بدأ في إيذاء من حوله لا بد من التدخل مع فهمه لذلك حتى يكون التفاهم قائمًا.

– عدم وجود المورد المالي باستمرار، وضمان وجوده حتى لا يرغب الطفل المراهق في حب الاستطلاع عن طريق استغلال ذلك المورد المتوفر أمامه، بل لا بد من مشاركة الأبناء في بعض المشكلات المالية، ولكن ليس بأسلوب يجعلهم في ضغط نفسي ينتج منه ضعف انتباه وتشتت تفكير وذهن، بل لأهمية التشاور والتعاون والتماسك وأهمية وجود رب الأسرة.

– وضوح اللائحة التي تسير على نهجها الأسرة، وأيضًا وضوح عواقبها؛ حتى تتضح رؤية عملية التنشئة، ولتفادي الخلافات أو قلتها.

-عدم التحدث في المشكلات الخاصة بالوالدين أمام الأبناء، ويفضل في عدم وجود الأبناء في المنزل، ويمكن الذهاب إلى الخارج بمفردهم لتقليل مشاحنة المشكلات على النفس والأعصاب، ولفتح مجال للحديث بهدوء وذلك لا يتم إلا بمبادرة أحد الطرفين، حتى نصل إلى عدم شعور الأبناء بالمشكلات شديدة التعقيد بالنسبه لهم، وعدم رؤيتهم لسلوك يقلل احترام أحد الطرفين حتى لا ينشأ على اعتياده.

طرق العلاج:-

– اللجوء إلى استشاري نفسي لأخذ المشورة في كيفية التعامل مع الفرد المتعاطي في الأسرة، ولمعرفة كيف يجري دعم المتعاطي بطريقة صحيحة لمقاومة إغراء إدمان المخدرات.

– الاستعانة بالأصدقاء الصالحين والأقارب الذين قد نفروا نتيجة أفعاله، لعقد جلسات حوارية في صورة مجموعة لتقديم الدعم والتحفيز له؛ وذلك لمنع الانتكاس والعودة مرة أخرى.

– ذكر نماذج كثيرة فقدت أهلها ومستقبلها وأصدقاءها وذلك بسبب إدمان الشخص للمخدرات.

– لا يجب أخذ أدوية من مهدئات ومسكنات للآلام إلا تحت إشراف طبي، وتؤخذ بجرعات آمنة، وعندما يشعر الفرد أنه بحاجة إلى جرعات أكبر فيجب عليه الرجوع للطبيب.

– الدوارات التعليمية التي تركز على إدراك المتعاطي لقناعات خطورة الإدمان حتى يتغير سلوكه، وهذه بمثابة دورات تأهيلية لعلاج المتعاطي، وهذا لا يحدث إلا بداخل دار تأهيل نفسي لعلاج المدمنين، وذلك لأن المتعاطي لا يقدر على البعد عن إدمانه ذاتيًّا، ولا يقوى على آثار الانسحاب، بل يحتاج إلى مكان مخصص لكيفية السيطرة على مدى خطورة سلوكه، والذي بدون هذا المكان أو الإطار المجهز يلجأ إلى السرقة أو العنف الجسدي، وهتك العرض والقتل.

– يجب على الآباء والأمهات أن يتجنبوا التفكير في إدمان المخدرات أو الكحول ليكونوا قدوة حسنة لأولادهم وإرشادهم لطبيعة السلوك السوي، كما أن الأبناء الذين من والدين متعاطين يكونوا أكثر عرضة لخطر التعاطي.

الأسرة هي البنية الأساسية للمجتمع فإذا كانت هذه البنية متماسكة ومتعاونة ومتكاملة سوف نضمن بذلك رقي المجتمع وتقدمه بين المجتمعات والبلدان الأخرى، وإذا كانت هذه البنية مفككة وضعيفة ويسود فيها عدم النظام وعدم الاحترام المتبادل بين أفرادها، سوف يرتفع معدل الاعتداء والجرائم؛ وذلك لأن الأسرة هي البيئة المسؤلة عن إخراج إما نماذج سيئة وإما نماذج حسنة، حسب ما تحتويه من أساليب تنشئة خاصة بها.

يمكننا أن نضع أسئلة استنتاجية من كل ما سبق:

س: هل لإدمان المخدرات دور في فقد رب الأسرة مكانته الاجتماعية والاقتصادية مما قد ينعكس على الأسرة بالصورة الوالدية السيئة، ومن ثم التقكك والانهيار؟!

س: هل استقرار الحالة النفسية لأفراد الأسرة يتوقف على مدى نجاح المقوم البنائي؟!

س: هل كثرة الخلافات بين أفراد الأسرة قد يجعل أحد أفرادها يلجأ للتعاطي وسيلة للهروب من الضغط النفسي؟!

س: هل ضعف الرقابة الذاتية والمبادئ السامية للشخص يتوقف على ضعف الوازع الديني؟!

س: هل لإدمان أحد الطرفين للمخدرات سبب في انفصالهم التام بعضهم عن بعض؟!

سأترك لك الإجابة عزيزي المهتم بأسرتك أو باستعدادك لبدء حياة جديدة، مختلفة، لتكن على معرفة ببعض المشكلات وسبب حدوثها، وبعض الحلول لها، وأخيرًا طرق تجنبها التي قد تحدث لك في مرحلة ما قبل الزواج أو ما بعد الزواج، وربما بعد أن يكون لك أبناء في مرحلة المراهقة، وعلاجها إذا كنت على بداية التعاطي أو بالفعل تبحث عن حل لعلاج أحد أفراد أسرتك، وحالفني الحظ وقرأت ما كتبته من أجلك.

لذا يجب علي كل من يقبلون على الزواج أو في مرحلة الإنجاب يسأل نفسه لماذا أنجب؟! إذا كانت الإجابة للمحافظة على النسب أو تحقيق منصب، وما يشابه ذلك القول فقط، فلا  بد أن تتأكد من أنه سيعاني خلال مرحلة المراهقة معك، بل سوف يتمرد، وربما سيصاب بعدم الثقة بالنفس، ويكون كلاهما عائقًا في تنفيذ ما يطمح به مستقبلًا، فيجب عليك أن تعرف قبل أن تنجب، ما الصورة التي تحب أن ترى فيها ابنك؟! ولا أقصد بهذا أن تضع له هدفًا وظيفيًّا، أو تحدد اتجاهاته المستقبلية؛ لأنها هي الخطوة التالية في بناء الشخصية، وهو المسؤول عنها بعد تأدية دورك في ترسيخ مقومات الشخصية لديه، «مقومات الشخصية» هنا تتمثل فيما سيكون عليه ابنك من سلوك مستقبلًا، فكيف سترعى ابنك؟! وما الأساليب التي ستتبناها في ترسيخ تلك المقومات؟! كيف ستتجنب مشكلات المراهقه؟! كيف ستتعامل مع المشكلات التي قد يسببها ابنك؟! ومع ضغوطات العمل والمعيشة في آن واحد؟! ما الوسيلة الخاصة بك في تفريغ طاقة الغضب التي ستستخدمها بدلًا من تفريغها في وجه ابنك؟! كيف ستعزل الخلافات بينك وبين زوجتك أو زوجك بعيدة عن مسمع ابنك؟! كثير من الأسئلة التي يجب تطرح قبل عملية الإنجاب، وأخذ كل ما هو شامل عن أساليب التريبة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد