الأسرة لا يمكن فهمها كظاهرة منعزلة عن المجتمع، بل هي نسق اجتماعي يتميز بالمرونة والقدرة على التكيف والتحكم في المنبهات والمؤثرات التي تطرأ من المجتمع الخارجي، فهي نسق متسلسل ومترابط من زوج وزوجة وأبناء لذلك هي المجتمع الأول للفرد منذ ولادته، وهو الذي يظهر للمجتمع كنتيجة أساليب التنشئة الاجتماعية الذي كان هذا النسق يتبناها في التعامل مع أفراده، حيث يكون للأسرة مبادئ وقيم ومعايير واضحة للسير على نهجها والامتثال للمعايير الدينية والأخلاقية والمجتمعية حتى تكون الرؤية واضحة في عمليه التنشئة، لذلك فعند حدوث خلل أو قصور في مجموعة القيم والمعايير التي تتبناها الأسرة.

يعقبها حدوث مشاكل أسرية متتالية، قد تقدر الأسرة على حلها لزيادة التماسك والترابط الأسري، وقد لا تقدر على تخطي تلك العقبات، فتفكك الأسرة ويشتت النهج القيمي لها، فنذكر أن الأسرة هي النموذج الأساسي ضمن النماذج الأخرى للمحافظة على النظام من خلال أساليب التنشئة الاجتماعية الخاصة بها، وأسلوب السلطة بها وبمن يتمثل، ومواقف اتخاذ القرارت بداخلها، كذلك كنظام اجتماعي له القدرة على التأثير في تشكيل البناء الاجتماعي واستمراره، فهي المبدأ الأول للنماذج الحسنة، والأساس لتوطيد ونشر المعايير الدينية والأخلاقيه بين أفرادها، وهناك بعض المقومات التي تزيد من ترابط وتماسك الأسرة.

وتعرف باسم مقومات التكامل الأسري لكي يقوم كل فرد على أداء دوره في الحياة الأسرية، لابد وأن يكون هناك نوع من أنواع.

التكامل الأسري، فهو الهدف الأساسي للأسرة، وهو الذي يحقق توازنها وتماسكها واستقرارها، لذلك كان من الضروري تحديد جوانب هذا التكامل ليساعدنا على حل ما يصادفنا من مشكلات أسرية قد تكون نتيجة قصور في أداء الأدوار الأسرية، أو انحراف في المعايير الأخلاقية، وبعض من هذه المقومات حيث يكون التكامل الأسري دائرة مغلقة متصلة ببعضها البعض من خلال تلك المقومات التي قد تهدم الأسرة عند حدوث خلل، وربما تحقق التكافؤ والتكامل الأسري وهذه المقومات هي (المقوم الديني، المقوم البنائي، المقوم الاقتصادي، المقوم الصحي، المقوم النفسي)، إذًا فعندما يكون هناك مشكلة تتمثل في إدمان أحد أفراد الأسرة للمخدرات، أو الكحول، أو الاثنين معًا، تستنتج بسبب فقد أحد مقوم من تلك المقومات، ولكن عند فقد مقوم واحد يليه آخر، وذلك لأن كل مقوم يؤثر في باقي المقومات، وبالتالي تفقد المقومات حيوتها ودورها في ترابط الأسرة، ومن هنا يأتي تعريف الإدمان بأنه من دمن على شيء، ولزمه، وأدامه، ولم يقلع عنه.

وهو فعل واظب عليه الفرد المدمن واستمر فيه، أما الإدمان اصطلاحًا يعرف بأنه اضطراب سلوكي يحدث نتيجه تكرار سلوك معين الذي يقوم به الفرد حتى يصبح سلوكًا دائمًا، وذلك للتهرب من مسؤولية تلزمه دون النظر إلى تلك العواقب الناجمة من تكرار أخذ المخدر، والآثار السلبية التي قد تطرأ عنه، سواء على الفرد ذاته، أو على المحيطين به، ولكن الإدمان يرتبط بالعديد من العوامل التي قد تكون وراثيًا، اجتماعيًا، بيولوجية، علاجية، ولكن دون إشراف طبي، وهي حالة غير قابلة للتحكم والسيطرة ذاتيًا، ولا سيما أن الإدمان اضطراب عصبي يتصف بالاستهلاك القهري للمنبهات، والمنشطات، والمهدئات، والمهلوسات.

أثر الإدمان على الفرد

– يؤدي إدمان المخدرات أو الكحول إلى حدوث مشاكل صحية، وذلك يعتمد على نوع المخدر المتعاطي، حيث ضعف الذاكرة والنسيان المستمر، عدم الاتزان الانفعالي، الأرق، مرض الإيدز، سواء من خلال المخدر المغشوش، أو من خلال العلاقات الجنسية المحرمة أو من خلال مشاركة الإبر والقطن مع الأصدقاء أثناء تعاطي المخدر.

– تدمير خلايا المخ والقشرة المخية، وهو ما يميز الإنسان عن الحيوان، وأكثر مادة تدمر هذه القشرة هو البانجو حيث يصل تأثيره إلى المخ خلال سبع ثوانٍ، ويدمر في المرة الواحدة ما بين ألف إلى 10 آلاف خلية، وأول ما يتأثر هو القدرات العقلية العليا للمخ من تركيز وانتباه وتفكير.

– تدمير الأفيونات الطبيعية الداخلية للجسم، والمسؤولة عن تحمل الآلام العضوية الشديدة، وتظهر عندما يشعر الإنسان بالفرح الشديد والنشوة العالية، وأكثر مادة تدميرًا للأفيونات هي الهيرون وتحتاج من ستة أشهر إلى سنة كي تعود كمادة مخدرة طبيعية بجسم الإنسان بعد التوقف عن التعاطي.

– تدمير الأجهزة الحيوية في الجسم مثل الكبد والكلي، وأكثر الأدوية المغشوشة التي تسبب الفشل الكلوي.
– تدمير شبكة العين، وأكثر ما يدمرها الخمور المغشوشة قد تسبب عمر مفاجئًا في الحال.

– يؤدي إدمان المخدرات أو الكحول إلى التعرض للمساءلة القانونية حيث اللجوء إلى السرقة والإجرام ( هتك عرض، عنف جسدي، قتل).

– التسرب من التعليم إن كان المدمن مراهق، أو عدم قدرته على التحصيل الدراسي، أذى الذات من خلال تناول جراعات متزايدة، الإسراف.

– احتكار الذات، الميل للانطواء والعزلة، الانفعال الزائد والسريع وغير المناسب، التغيير الحاد في السلوك دون سبب معلوم، الكذب، التبريرات، عدم اكتمال التفكير المنطقي العقلاني.
الفشل المهني والعاطفي، اللامبالاه، فقدان النشاط، شرود الذهن، الأنانية، التخلي عن القيم والمعايير الأخلاقية، بل الدينية والاجتماعية، ضعف القدرة على الانتباه والتركيز، ضعف مستوى الذكاء الخاص بالفرد.

ما ترتب على كل هذا انهيار شخصية الفرد بالكامل، كل هذه الآثار الناجمة عن تعاطي المخدرات على الفرد ذاته تدمر كل صفات الشخصية لديه، بلا منازع، وبالتالي يفقد مكانته الاجتماعية والاقتصادية؛ لأنه أصبح فاقد الهوية التي تميزه عن المخلوقات الأخرى، الهوية الإنسانية، الشخصية الذاتية المكونة من النهج القيمي الديني والاجتماعي، فأصبح بذلك مخالف للمعايير التربوية السليمة، ومخالف لقول الله في كتابه الكريم: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَاْلبَحْرِ وَرَزَقْنَاُهْم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاكم عَلَي كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. سورة الإسراء: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. سورة الأعراف.

الإدمان يجعل الفرد المدمن يسير سريعًا للانتحار بسبب اليأس والاكتئاب المفرط الذي يصاحبه خلال فترة إدمانه، فمن الصعب التقدير عن معاناته النفسيه بمجرد الحديث، ولكن ربما الشعور المتراكم الذي يؤدي إلى الاكتئاب والتعامل معه كمريض نفسي أولًا، وليس مدمنًا كما أن المخدرات تؤثر على سلوك، ومشاعر المدمن، وهي العمليه الكيميائية التي يحدثها المخدر لحظة دخوله الجسد، ولكن ما هو تأثير المدمن على أسرته أو المحيطين به؟ رغم كثرة تأثيرها على الفرد، فمن السهل استنتاج ما يمكن أن يحدث إذا كان المتعاطي داخل الإطار الأسري، ومدى معاناة أسرته.

أثر الأدمان على الأسرة

– إذا كان زوجًا أو ابنًا ففقدان الشخصية لدى المدمن لانحلاله الأخلاقي يؤدي بذلك إلى فقدان الثقة بينه وبين أفراد أسرته.

– تصاب الأسرة بالأذى المعنوي لحزنها الشديد على تصرفات المدمن، والأذى الجسدي لما يسببه المدمن من تعدي على أفرادها، حيث إن الأطفال هم أكثر فئة معرضة للعنف بكل أشكاله، ومن ثم الزوجة.

– خسارة الأسرة للمكانة الاجتماعية واضطراب علاقاتها وتوازنها، ومن بين هذا وذاك تتحطم سمعه الأسرة ويدفع الأبناء الثمن في عيش حياة هادئة البال.

– سلب الأموال بالعنف مما يجعلهم يخضعون للمطالبه تجنبًا للسرقه والاعتداء الجسدي، وأحيانًا الجنسي بحكم غياب العقل، وبالتالي يؤدي ذلك إلى اضطراب ميزانية الأسرة.

– الصورة الأبوية السيئة التي قد يقدمها المدمن إذا كان المدمن هو الأب ومعنى الأمان والدفء المنزلي والاطمئنان، بل تتفاوت الأخطار إذا كان المدمن متزوجًا فقط أم يعول، وإن كان له علاقات اجتماعية كبيرة أم لا، ومدى حجم المسؤولية إذا كانت كبيرة أم لا، كل هذا يترتب عليه المستوى الذي يكون عليه المدمن من عدد مرات السرقة، الاحتيال، الكذب، الاعتداء بكل أنواعه.

– لا يهتم المدمن بالأحوال التي تحدث داخل الأسرة، بل إن الإدمان يجعله فاقدًا للتواصل الجيد والفعال بينه وبين أسرته، ولا يدع لها بالًا في كل الأحوال.

– فقد الأسرة للدور الذي كان يؤديه الأب، ومن ثم غياب جزء كبير من الرقابة والسيطرة ينتج عنه تشتت النهج القيمي للأسرة.

– احتياج بعض أفراد الأسرة للشعور بالأمان والدفء الأسري مما يجعلهم يلجأون لمن هم خارج الإطار الأسري طلبًا لإشباع هذا الشعور؛ مما قد يزيد حجم الكارثة لعدم وجود مبادئ واضحة وأساليب تنشئة خاصة بها.

– المدمن فاقد لضميره حيث إنه من الممكن إيذاء أفراد أسرته بوضع المخدر في الطعام أو الشراب ليشاركوه نفس الشعور حتى تقل نسبه اللوم والعتاب أو التحذير بالعقاب لما يفعله.
– ضياع الأبناء بين أب مدمن وأم مشتتة تعيش صراعًا فكريًا في كل جوانب المعيشة المهددة بالانهيار، ومن ثم إهمال تربية الأبناء، ويكبر الأبناء دون نهج قيمي محدد قد يؤدي إلى انحلالهم الأخلاقي، وإدمان أحد الأبناء نتيجة الصورة الوالدية التي قد نشأ فيها، وعدم القدرة على المعرفة الحقيقية لأخطار الإدمان.

– زيادة احتمالات الطلاق إذا كان المدمن هو أحد الزوجين وذلك خوفًا على الأبناء وأسلوب التنشئة الذي قد يتبعه في التعامل معهم.

– زيادة لوم الأسرة عن السبب الذي أدى لإدمان أحد أفرادها والانشغال عن التوصل لحل تعاوني، بل كثرة اللوم والعتات فيزيد تشتت الأسرة فتفكك، ومن ثم الطلاق.

الإدمان يدمر كل شيء من ذات، عمل، أسرة، أصدقاء، مال، هو لا يعطي للحياة معنى، بل يجعل كل شيء، سواء أمام عين المدمن حتى أنه يفقد التميز بين الأشياء ومدى أهميتها في نجاح حياته، لكن هناك سؤالًا في غاية الأهمية، هل للأسرة دور في إدمان أحد أفرادها؟ نعم، بالتأكيد فالإدمان ليس مقتصرًا على مرحلة ما قبل الزاوج، ولكن من الممكن أن يأتي في مرحلة ما بعد الزواج، بل بعد الإنجاب، وكذلك في مرحلة المراهقة لديدى الأبناء باعتبارها أخطر مرحلة لعدم حب الابن لفرض السيطرة عليه والتقيد؛ مما قد يدفعه السلوك إلى حب الاستطلاع.
إن كنت تريد معرفة إن كان للأسرة دور في إدمان أحد أفرادها فعليك قراءة الجزء الثاني من المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد