Embed from Getty Images

تسعد وفاء باللعب مع أبيها على شاطئ البحر يبنيان معًا بيتًا من الرمال يشبه القلعة الحصينة لها أربعة أبراج تقف شامخة في أركانها الأربعة. وفي منتصف القلعة يوجد قصر جميل وله باب مستطيل ضيق تزين أعلاه دائرة بلاستيكية من ألعاب وفاء الجميلة. لقد علمها والدها أن تستعين ببقايا الألعاب في العد والحساب وحل مسائل الجمع والطرح أو Addition and subtraction كما تسميه معلمتها، وحتى الصغيرة نفسها تطرق باب غرفة والدها لتخبره أنها صنعت نماذج جميلة أو دمى جديدة من إعادة التدوير لألعابها القديمة فتهمس ضاحكة «بابا عملت إعادة تدوير Recycling إيه رأيك» يهمس والدها في أذنها جميل ممتاز رائع برافو، ويطبع على خدها قبلة جميلة بصوت طفولي مرتفع تشبه تلك التي ترد نادرًا في أفلام توم وجيري ويصدر صوتًا مماثلًا تعشقه الصغيرة الوادعة.

Embed from Getty Images

صنعت وفاء في منتصف فناء قلعتها حوضًا صغيرًا وهتفت «بابا ده حمام السباحة» وبدأت تدعم جدرانه الرملية وتساويها بأصابعها الصغيرة وأنامها الناعمة التي بدت بلون الرمال الناعمة. وهبت واقفة وحملت دلوها البلاستيكي ذا اللون الأحمر الداكن وغمرته في ماء البحر وأخذت تملأ الحوض بالماء ووضعت فيه دمية بلاستيكية صفراء اللون على شكل بطة. وأخذت تحركها بيديها رويدًا رويدًا ولكن الماء بدأ في الاختفاء من الحوض شيئًا فشيئًا فعاودت ملأه من جديد ولكن تكرر نفس الأمر. نظرت الصغيرة إلى أبيها لتشكو إليه ما ضايقها، وأخذت تنادي بابا بابا…

Embed from Getty Images

لقد كان الأب أكثر اهتمامًا من ابنته بالقلعة والبيت والحوض الرملي. إنها تحكي قصته وتلخص حياته الصغيرة فالقلعة الرملية تشبه بيته الذي يحاول جاهدًا أن تصمد جدرانه أمام أمواج البحر وتيارات الهواء. يذكره الحوض الرملي الصغير بموارده وإمكاناته المهدرة بغير طائل. يتذكر جيدًا معاناته مع تبذير زوجته وإهمالها. فموارد الطعام والشراب يهدر منها أكثر مما يستهلك وإن أوزان أكياس الأغراض المنزلية التي تحمل إلى داخل البيت لا تزيد كثيرًا عن أوزان أكياس القمامة التي تحمل إلى خارج المنزل، وإن الطعام إما يصنع منه الكثير فلا يؤكل أو أن يصنع منه القليل فلا يكفي الأطفال أو الأسرة. وفائض الطعام غالبًا ما يظل مكانه فوق الموقد حتى يفسد وقد يطيل الله في عمره يومًا أو يومين يلقى به في قاع الثلاجة في وضع مائل مثل برج بيزا المائل أو مثل البناء العالي الآيل للسقوط فيسقط مع أول حركة بجواره وينسكب. وإن حالفه الحظ في الهروب من قانون الجاذبية فلن ينجو حتمًا من قانون الهدر العام والتخلص منه في أقرب سلة للمهملات.

Embed from Getty Images

لم يكن ما يشغل رب الأسرة أبدًا مشكلة الموارد المالية ولكن كان ما يشغله هو الجانب الإنساني والعمق الاجتماعي والأثر التربوي لتك الظاهرة التي تخيم على واقعه وتشكل أيامه.

إن ذلك الأب هو نموذج مكرر يعيش بيننا كثيرًا وتلاحقه زوجته بالهدم والهدر. ترى كيف يستقيم حاله؟ وكيف تبحر سفينة أسرته بين أمواج الحياة العاتية؟ وإذا كان مدار الكون وعماده وقلبه هو النظام والترتيب والدقة فإن التبذير والإهدار يهدم هذا النسق ويقضي على موارد الأسرة والمجتمع، وهو عرض ظاهر لمرض أعمق وأشد.

إن غياب النظام والترتيب في الأسرة والحياة وكذلك النظر للموارد المالية أو المعيشية على أنها شكل تافه من أشكال النعم لا يستحق التقدير والاحترام وهو قرين الاستهانة ببقية النعم الجليلة التي وهبها الله لنا كنعمة الحياة والأسرة والأبناء والصحة.

Embed from Getty Images

ثم كيف بمن يحيا بسلوك الإهدار في موارد الطعام والشراب أن يتغير سلوكه ويقوم ببناء علاقات إنسانية وأسرية عميقة ومؤثرة ومستديمة مع شريك حياته؟ وكيف ينشئ علاقات تربوية ناجحة وأصيلة مع أبنائه وبناته؟ ويربيهم تربية ناجعة تنفعهم لغدهم ومستقبلهم.

أعتقد أن الأمر أعم وأشمل من مشكلة الإهدار أو التبذير الذي تعاني منه الكثير من الأسر سواء تلك التي تجد وفرة في الموارد ولا تعاني من مشكلات مادية أو تلك التي لا تجد إلا موارد محدودة وقليلة. إن الأمر يتعلق بقيم الإنسان العميقة وقناعاته الراسخة تلك القيم التي غرست عميقًا داخل أرواحنا وقلوبنا في سنين العمر الأولى وإن الإهدار المادي قد يكون هو نتاج إهدار المشاعر أو فقدان الأمان أو فقدان الدفء الأسري والعائلي في بدايات الحياة.

Embed from Getty Images

ثم إن حاجة الأسرة لإدارة مواردها بطريقة منظمة ومرتبة هي حاجة ماسة وحقيقية. إن قيمة النظام والترتيب والاهتمام والمحافظة هي قيم أساسية للنجاح الأسري خصوصًا وللنجاح في كافة مناحي الحياة على وجه عام. إن فقدان بيوت كثيرة لمظاهر الترتيب والنظام والترشيد معظم أوقات العام هو دلالة على التفكك الأسري وإهدار المشاعر والموارد على حد سواء، كلاهما إهدار وتبذير وكلاهما مدمر لبنيان الأسرة والمجتمع والدولة.

وهناك جانب آخر هو أثر الإهدار المدمر على صحة الفرد والمجتمع، فمثلًا إن إسراف الإنسان في تناول الطعام والشراب يؤدي إلى إهدار صحته وتدميرها وإصابته بالأمراض، وإن أبًا مسرفًا مبذرًا حتمًا لا يؤتمن على قيادة أسرة ومستقبل أبنائها فهو يخاطر بمقدراتها ويقامر بمستقبل أبنائه ويضع يومهم وغدهم في مهب الريح، وإن أمًا مبذرة ومسرفة هي معلم سوء وأداة إفساد لا إصلاح.

إن أمانة الأبناء لتلزمنا إلزامًا واضحًا بتعليمهم قيم النظام والترتيب والاعتدال والنظام حتى يتمكنوا من إدارة حياتهم ومواردهم. وكم من أبناء أهدروا ثروات آبائهم التي ورثوها في شهور عدة لأنهم لم يتعلموا تقدير النعمة وتقنينها وترشيد إنفاقها.

علينا أن نحسن إدارة مواردنا وأن نقنن استخدامها طبقًا لاحتياجاتنا الحقيقية وليس طبقًا لما نملك أو ما نستطيع أن نشتري وننفق. وإذا كان البعض لديه قدرات مالية على شراء المزيد والمزيد فإنه يهدر الموارد الأساسية التي يتشارك فيها كل بني الإنسان ومن ثم يزيد الطلب وترتفع الأسعار.

إن على المجتمع والأسر أن تأخذ على يد المهدرين والمبذرين وأن ترشد مواردها وأن تعلم أنه لا بقاء للكنوز مع الإسراف ولا دوام للنعمة مع الإهدار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد