اعتاد الناس قديمًا مع ضيق الحياة وقلة الحيلة على ترداد المثل القائل «ما حدا بيموت من الجوع» أثبتت الأيام والأحداث أن هناك من يموت من الجوع، وما أكثرهم! حتى صار المثل السابق أدعى للسخرية منه إلى العزاء.

2020 عام الكوارث

2020 عام ثقيل يهاجم الوجود البشري على سطح الأرض يقتات من أنفاس الناس مع جائحة كورونا، وها هو ينهش أجسادهم بالجوع وضع اقتصادي يزداد ترديًا كل يوم، ولا يكاد بلد من أقصى الأرض إلى أقصاها ينجو منه.

حرب.. كورونا وجوع

سوريا البلد المنكوب لا عزاء له، الماشي في شوارع دمشق يدرك كم أصبحت هذه المدينة بائسة! فالجوع يعشعش في الطرقات، الشريحة العظمى من الشعب هناك تتحول تباعًا إلى متسولين، «الخنقة» التي لا تكاد تميز غيرها في وجوه الناس، جرائم تتكرر والجاني غالبًا هم جنود امتهنوا السرقة والقتل على مدار سنوات ومسوغهم اليوم هو الجوع.

دمشق المحفورة في التاريخ كأعجوبة الجمال القديم اليوم جائعة!

نظام لا يهوله أمر غير خسارة السلطة متجاهلًا حاجات الناس وأنينهم الذي يتصاعد كل يوم يحكم البلاد بسياسة الحظيرة، ولكنه الراعي فيها والرعية.

وأما البقية الباقية فما هي إلا أحجار ملعونة لا يعنيه وجودها أو زوالها.

إحصاءات مرعبة

وفقًا لبيانات برنامج الغذاء العالمي فإن عدد الأشخاص الذين يفتقرون إلى المواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع 1.4 مليون في غضون الستة أشهر الماضية وتمضي هذه الأرقام بالارتفاع كل يوم وذكرت إليزابيث بايرز المتحدثة باسم البرنامج أن أسعار السلعة الغذائية ارتفعت بأكثر من 200% في أقل من عام.

شاهد عيان

وفقًا لأحد سكان دمشق فإن متوسط المرتب الشهري للموظف في سوريا يبلغ حوالي 50 ألف ليرة سورية تقريبًا أي ما يعادل 21 دولار أمريكي حسب سعر الصرف غير الرسمي بمبلغ مثل هذا لا يستطيع الفرد السوري العيش لأكثر من يومين على أقصى تقدير ليبدأ بعدها البحث عن طرق أخرى تبلغه وعائلته حد الكفاف لا غير.

جرائم مهولة

هذا الأمر الذي زاد من معدل الجريمة بشكل هستيري وغير مسبوق في العاصمة السورية. ولعل أبرز الامثلة على ذلك جريمة بيت سحم التي ذهب ضحيتها أم وطفلان، والتي ارتكبت لأجل مبلغ لا يتجاوز 100 دولار أمريكي.
فمن الملام هنا؟ وليس القصد من السؤال تبرير الجريمة أو تسويغها فهي جريمة قذرة بكل المعايير والمقاييس الإنسانية، ولكن تحليلها بالشكل الصحيح وفقًا للمعطيات والدلائل يعطينا تصورًا واضحًا للطريق الذي تسير إليه البلاد.

لا ناجي في هذه الحرب

في الوقت الذي حسب فيه أغلب سكان دمشق أن وقوفهم موقف الحياد سيحول دون تلوعهم بنار النظام وسيبقيهم تحت مظلته الآمنة، وبعيدًا عن محيطهم الثائر، ولكن هيهات هيهات لنظام قتل وشرد وعذب الملايين من الشعب السوري أن يرعوي عن إيذاء من حضنوه، وبايعوه إذا كان في هذا الأمر نجاته الموهومة.

يقول المثل «اللي في ببيتو خبز ما بينام جوعان»

قال مسؤول في الأمم المتحدة وناشطون ومزارعون: «إن حكومة النظام في سوريا قد تواجه نقصًا حادًا في الخبز للمرة الأولى منذ بداية الصراع، وعليه فإن بيوت السوريين قريبًا خالية من الخبز، ولا أحد يستطيع التكهن بعدد الأشخاص الذين سنقرأ نعوتهم قريبًا على جدران دمشق، أو في نشرات الأخبار تحت عنوان: موتى الجوع».

بين بشار الأسد وعمر بن الخطاب

مع كل هذا الأسى الذي يعانيه الناس لا تستطيع الذاكرة، إلا أن تجرنا إلى عام الرمادة في عهد عمر الفاروق ـ رضي الله عنه ـ حيث كان عامًا شديدًا جدًا والجوع فيه طارق سائل في كل لحظة.
وقد قال الحافظ ابن كثير: «وقد روينا أن عمر عسَّ المدينة ذات ليلة عام الرمادة، فلم يجد أحدًا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلًا يسأل، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن الناس سألوا فلم يعطوا، فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون».

ما لم يقرقع الجوع في معدة الحاكم فكيف للمحكوم أن يشبع؟

وورد أيضًا أنه قد جيء لعمر بن الخطاب في عام الرَّمادة بخبزٍ مفتوت بسمن، فدعا رجلًا بدويًّا ليأكل معه، فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك في جانب الصفحة، فقال له عمر: كأنَّك مقفرٌ من الودك، فقال البدوي: أجل، ما أكلت سمنًا، ولا زيتًا، ولا رأيت أكلًا له منذ كذا، وكذا إِلى اليوم، فحلف عمر أن لا يذوق لحمًا، ولا سمنًا حتَّى يحيا النَّاس.
ووالله لا يدري المرء ما يقول وهو جائع غائر منزوٍ على نفسه مقهور مجلود بالخوف والذل والجوع وحاكمه يتروّح مع عائلته في بلودان بحذاء Adidas يبلغ سعره ما يقارب 200 دولار، أي ما يعادل مرتب 10 موظفين حكوميين على الأقل.

مقارنة غير عادلة

لا نقارن بعمر فمن كعمر! ونعلم جيدًا أن أكثر الحكام صلاحًا لا يكاد يقاربه فكيف له بأن يشابهه، ولكننا إنما نقارن أدنى الناس بأعلاهم ليعرف الخلق كم هم مستباحون! وكم يسترخص هذا النظام وجودهم ويستولد مهاناتهم غير آبه ولا مبال!

في ظل ظروف تحبو نحو الأسوأ وبمعطيات تشير صراحة أنه لا حل ولا انفراج ما دام هذا النظام مستوليًا على الحكم في البلاد، فهل يا ترى ستشهد الأيام القادمة ثورة للجياع تنطلق شرارتها من دمشق؟

أم أن عجز الثورة الأولى يسقط احتمالات ثورة جديدة؟ 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد