…أولئك المشهورون في المجتمع، الواثقون من أنفسهم، المتأكدون من أن الحياة ملكهم، وأن وجودهم ضروري لها. كويلز (1)

المشهور هو النجم الذي سطع نوره في مجال معين والذي يحظى بطيف واسع من المتابعين المهتمين لأمره، حتى في أدق تفاصيل حياته الخاصة، فهو بالنسبة لجمهوره ليس إنسانًا عاديًا بل ملهمًا لهم وشمعة مضيئة وهم تلاميذه الصغار الذين يقتدون به في كل شيء، في حركاته وسكناته، وملابسه وتسريحة شعره، إنه النموذج الكامل بالنسبة لهم، والنجم الساطع.

كتب المفكر عبد الوهاب المسيري مرة أن: «النجم هو قديس الحضارة العلمانية ورمزها الأكبر»(2) وقداسته هذه ليست كقداسة رجل صالح أو زاهد عابد، وإنما لكونه استطاع أن يكون «هو عالِم جمهوره ودليلهم»، بمعنى أنه يمثل لهم الإنسان الكريم عندما يظهر في لقطة متصدقًا على محتاج والإنسان الشهم عندما يقدم سيدة على نفسه والإنسان المناضل عندما يتحدث عن قضية له رأي فيها يوافقه – بالضرورة – غالبية جمهوره عليها، والإنسان الحضاري عندما يغرق أكثر في الاستهلاكية، إنه قديسهم، كتابه الكاميرا التي تصوره وتعاليمه ما يُنقل على الشاشة من تصرفاته وآرائه، وحواريوه هم الموافقون له وفريق التصوير الخاص به.
إن فلك المشهور يدور فيه جمهوره، لا يخرجون عنه حتى يسقط، وفي عالمنا العربي أتصور أن المشهور عندنا لا يسقط تبعًا للعمر الافتراضي لكل مشهور بعد فضيحة ما أو قضية تسقطه من سماء الشهرة، وإنما يسقط عندما يصبح مستهلكًا قديمًا، أشبه بموضة تعلق بها الناس فترة ثم رموها، ويدرك المشهور أن شرط بقائه نجمًا هو استمراريته في التجديف عكس التيار، والخروج عن المألوف العرفي والاجتماعي ليبدو مميزًا وجديرًا بالالتفات له، فتتبعه جماعة من الناس على جهل ويقودهم بجهله الذي يسميه تفردًا إلى المجهول، ويُقدَّم كمفكر حر وباحث متجرد من أعباء الماضي والتاريخ وعوالق التراث والعادات والتقاليد، كما لو أنه امتلك ناصية العلم وأمسك بمفاصل الحكمة وتربع على كرسي الإفتاء.

إن المشهور القادم من سماء النجومية عندما يقدم نفسه مفكرًا حرًا، وأفكاره خارجة عن المألوف وتجديفه عكس التيار، وبصفته قدوة للناس ونموذجًا كاملًا يكون أشبه بالمظلي، وأقصد بهذا الوصف أنه ينزل من السماء على المجتمع الذي وجد أن له فيه محطة هبوط وموضعًا لمظلته، وباقتباس هذا الوصف المعبر يمكن أن نفهم كيف قَدِم إلينا هذا المشهور، إذ بدون مقدمات وبدون أن يعرفه المجتمع أو يسمع عنه، يجدونه بينهم يقوم بأدوار تركها الناس وانشغلوا عنها أو أن الناس تنكروا لها بغيرها، وفي الفراغ في البقعة الجغرافية تتكاثر الجماعات وتزدهر المنظمات الخارجة على القانون كما في العرف السياسي، وليس ببعيد عن هذا، فإن هذا الذي وجد فراغًا لم يشغله أحد أو تشاغل عنه أهله بغيره، يجد لنفسه في هذا الفراغ مساحة مناسبة لإيجاد موضع يثبت فيه قدمه، وينصب منبره، يدعُو فيه إلى نفسه، بأنه الأحق بالاتباع.

أحد أهم الأسباب في تصوري لقابلية اتباع المشهور في هذا الوقت بالذات، هو عندما يفتقد الجمهور شيئًا ما ويكون المشهور قد امتلكه ويرغب الجمهور في أن يحصلوا عليه، فإن قابليتهم لاتباعه تصبح ممكنة جدًا، إذ إنهم يجدون فيه النموذج والمثال الذي عليهم أن يحتذوا به ويقتفوا أثره ويتقمصوا شخصيته وهيئته. وقد تجلى ذلك بشكل صارخ في مواقع التواصل الاجتماعي عندما اتصل الناس بعضهم ببعض ووجد فيهم الغني والفقير ومتوسط الحال، وصار على متوسطي الحال والفقراء أن يكونوا تبعًا للغني المشهور الذي غرق في الاستهلاكية وأغرق معه جمهوره كلهم يتنافسون على الوصول إليه والحصول على ما عنده وتقليده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) اللامنتمي. كولن ولسون. ص: 22
(2) الجماعات الوظيفية اليهودية. عبدالوهاب المسيري. ص: 34
عرض التعليقات
تحميل المزيد