“اسمي فانيا كابلان , اليوم أنا من أطلق الرصاص على لينين ,فعلت هذا بكامل إرادتي , أعتبره خائنا للثورة”.

 

بتلك الكلمات دخلت فانيا كابلان التاريخ بعقدها العزم على قتل لينين واعتباره خائنا للثورة وديكتاتورا مستبدا , لذا علينا أن نعرف من هى فانيا كابلان وما الذى دفعها إلى محاولة اغتيال لينين ؟ّ

 

وللعلم هذه السيدة لو حدث ما حدث ومات لينين على يديها لتغير مجرى التاريخ للاتحاد السوفيتى والمعسكر الماركسي بشكل عام لذلك تعالوا معا لنتعرف على كابلان من البداية للنهاية .

 

بداية حياتها ونشأتها :

 

بالنسبة لاسمها فقد اختلف حوله الكثير من المؤرخين , ففي مذكراتها اسمها “فيرا فيجنر” , وفي نظام العمل بالسخرة أثناء الاعتقال بمعسكرات سيبيريا اسمها كسجينة “فييجا خايموفنا كابلان” وكانت تنادى أيضا باسم “دورا كابلان”، ولكن من المؤكد أن الاسم الذي استقرت عليه هو ما ذكر فى تحقيقات لجان “الشي كا” السرية هو “فانيا كابلان”.

 

ولدت كابلان فى العاشر من فبراير عام 1890 فى أوكرانيا لأسرة يهودية فقيرة وهى واحدة من بين سبعة أولاد ” أربعة من البنين واثنتين من البنات ” , تعلموا جميعا تعليما متواضعا فى منازلهم، ويقال إن والدي كابلان قد هاجرا إلى الولايات المتحدة فيما بعد. أصبحت كابلان سياسية ثورية فى سن مبكرة وانضمت للحزب الاشتراكي الثوري الروسي , فى العام 1906م

 

تم القبض على كابلان إثر مشاركتها فى عملية اغتيال لضابط قيصري فى مدينة كييف الأوكرانية , ثم تم ترحيلها لمعسكرات سيبيريا وبالتحديد معسكر “أكاتوي” وهناك فقدت بصرها بشكل جزئي بسبب سوء الظروف هناك , ثم أودعت فى سجن “مالتسيف” بسيبيريا.

 

وهناك تعرضت لأسوأ أنواع التعذيب بشكل لا يحتمله أي بشر مما أثر على نفسيتها وجعلها أكثر كراهية للنظام القيصري.

 

ثورة فبراير 1917 وإطلاق سراحها :

 

اندلعت فى الثامن من مارس عام 1917 ثورة شعبية أدت إلى إلغاء نظام القيصر “نيقولا الثاني” وإلغاء الإمبراطورية القيصرية الروسية ومعها حكم عائلة “رومانوف” , وحل محل ذلك الحكومة المؤقتة بقيادة الأمير “غيورغي لفوف” ثم خلفه “أليكسندر كيرنيسكي” ,كانت تلك الحكومة عبارة عن تحالف بين الليبراليين والاشتراكيين الذين أرادوا تفعيل الإصلاح السياسي وخلق برلمان تأسيسي وتنفيذي منتخب ديمقراطي.

 

في خضم ذلك كله تم إطلاق سراح كابلان مثلها كمثل الكثير من الإشتراكيين الثوريين والمناشفة بعد أن قضت كابلان مدة 11 عاما  في أهوال سيبيريا واكتسبت كابلان من تلك الفترة معاناة الصداع المزمن والعمى الجزئي، وفى الوقت نفسه أيضا الولاء لثورة فبراير ومنجزاتها.

 

دافع كابلان لاغتيال لينين :

 

بعد ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917 اندلعت أزمة بين البلاشفة بقيادة زعيمهم “فلاديمير لينين” ومعارضيهم من المناشفة والاشتراكيين الثوريين حول سبل إدارة الأمور فى روسيا ، كان للبلاشفة دعم كبير فى مجالس السوفيتات “وهى مجالس صغار العمال والفلاحين” وبالرغم من ذلك فشل البلاشفة فى تحقيق الأغلبية فى انتخابات البرلمان فى نوفمبر 1918م التى هيمن عليها معارضيهم وحصولهم أيضا على مقعد الرئيس فى يناير 1918م.

 

وبالتالي قام البلاشفة مدعومين بمجالس السوفيتات بحل البرلمان المنتخب فى أغسطس عام 1918م وهذا بالطبع  أدى لاندلاع الأزمة بين البلاشفة ومعارضيهم من المناشفة والاشتراكيين الثوريين وتتطورت الأمور إلى التمرد الذي نظمته المعارضة في يوليو  1918 وذلك نتيجة حل البرلمان وعقد معاهدة “بريست ليتوفسك” بين روسيا ودول المركز وعلى رأسها ألمانيا للخروج من الحرب العالمية الأولى .

 

وتلك المعاهدة – وذلك حسب رأي معارضي البلاشفة – تهدف لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل وتوقف القتال على الجبهة السوفيتية الجديدة إلى جانب تبادل السلع الثمينة بين البلدين والحفاظ على الأنظمة المعنية بتوقيع المعاهدة ,وبالتالي اعتبروها مهينة للشعب الروسي الثوري.

 

بالطبع خلال تلك المرحلة شدد لينين على ضرورة هيمنة البلاشفة على مقاليد الحكم بروسيا السوفيتية وإقرار سلسلة من الاعتقالات بحق زعماء المناشفة والحزب الاشتراكى الثوري الروسي وحبسهم بقلعة سانت بطرسبيرغ .

 

كل هذا أشعل في قلب كابلان كراهية وغضب عسير على لينين وسياساته لذا قررت كابلان الانتقام من لينين لأنه خائن لثورة فبراير , فهى تعتبر أن ثورة فبراير هى الثورة الحقيقية، وهى التي أطلقت سراحها من أهوال معسكرات سيبيريا أما ثورة أكتوبر فهى انقلاب بلشفي بامتياز.

 

مشهد محاولة الاغتيال :

 

فى 30 أغسطس عام 1918 كان لينين متواجدا وسط جمع كبير من العمال فى مصنع “المطرقة والمنجل” ,وقد قال الكاتب “فيكتور سيرجي” وهو أحد الكتاب الثوريين أثناء ثورة أكتوبر 1917م عن هذا المشهد :

 

(لقد وصل المكان بمفرده , لم يكن بصحبته أحد ولم يشكل أحد له حفل استقبال أو ما شابه , وبعد أن أنهى خطبته خرج لينين من مبنى المصنع , حينها التف حوله العمال على بعد خطوات قليلة من عربته , تقدمت كابلان نحو لينين مدعية أنها تستفسر عن السبيل والأسلوب الذى يتخذه  لإدارة البلاد.

 

وقبل أن يدخل لينين عربته أدار وجهه لكابلان لكي يجيبها على أسئلتها , حينها  أطلقت كابلان الرصاص عليه ثلاث مرات لتصيبه إصابة خطيرة فى العنق والكتف , نقل لينين على إثر إصابته إلى مقر المعيشة بقصر الكرملين , كانت لديه القدرة بالكاد لكي يرتقي إلى الطابق الثاني ثم أحس بألم شديد وبالغ , كنا قلقين للغاية لأن الجرح الذى فى عنقه بالغ، وكأننا نقول إن الرفيق لينين يحتضر وما هى إلا ساعاته الأخيرة).

 

طبعا تلك الإصابة التى لحقت بجسد لينين سببت له السكتات الدماغية والتي أودت بحياته لاحقا عام 1924م .

 

مشهد اعتراف كابلان وإعدامها فى فناء الكرملين :

 

تم القبض على كابلان في الحال وعرضت على إحدى لجان “شي كا” وهى لجان استثنائية أنشأها لينين للقضاء على الثورة المضادة والقضاء على كل أعداء البلاشفة ومعارضيهم وقد تم تأسيسها في 20 ديسمبر عام 1917م.

 

وهناك اعترفت كابلان أنها قتلته بدافع حله للبرلمان المنتخب والانقضاض على ثورة فبراير 1917م واعتقاله للكثير من المعارضين سواء من المناشفة أو الاشتراكيين الثوريين وأوضحت أيضا أنها قامت بتلك العملية بمفردها ودون مساعدة أحد وإليكم نص الاعتراف :

 

(اسمي فانيا كابلان , اليوم أنا من أطلق الرصاص على لينين , فعلت هذا بكامل إرادتى , لا أريد أن أتكلم عن من أعطاني المسدس وليست عندي أية تفاصيل أخرى . لقد عقدت العزم على قتله منذ فترة طويلة , أعتبره خائنا للثورة , لقد تم ترحيلي إلى معسكر “أكاتوي” بسيبيريا لاشتراكي فى عملية اغتيال ضابط قيصري فى كييف , قضيت 11 عاما بالسخرة , وبعد ثورة فبراير تم تحريري , إذن فولائي لتلك الثورة وحكومتها ولازلت على هذا العهد).

 

تم إعدام كابلان رميا بالرصاص فى فناء الكرملين على يد جندي بحري من أسطول البلطيق اسمه “بافل مالكوف” , كان ذلك فى يوم 3 سبتمبر 1918م وقد أشرف على عملية الإعدام “ياكوف سفيردلوف” وهو من أشهر زعماء البلاشفة ومدير اللجنة التنفيذية للحزب الشيوعى الروسي وأعطى تعليماته بعدم دفن جثمانها .

 

وقد قال ياكوف عقب إعدام كابلان :”على جثمانها أن يختفي من الوجود ولا نريد مقاما يذكرنا به” .

 

 

ماذا بعد إعدام فانيا كابلان ؟

 

كان إعدام كابلان مرتبط باغتيالات مماثلة لزعماء البلاشفة فقد تم اغتيال “مويسي يوتريسكي” وهو عضو مجلس مفوضي الشعب عن الإقليم الجنوبى ورئيس لجان “شي كا” فى مدينة بتروجراد ,وهنا أحس البلاشفة بضرورة سحق معارضيهم فانطلقت عاصفة تسمى “الرعب الأحمر” قتل فيها المئات، بل الاّلاف من أعضاء الحزب الاشتراكى الثوري والمناشفة.

 

شكوك حول ضلوع كابلان فى تلك المؤامرة :

 

بعض المؤرخين وأبرزهم “دونالد رايفيلد” و”أركادي فاكسبيرج” تساءلوا حول الدور الحقيقي لكابلان فى عملية الاغتيال تلك , فقد أوضح فاكسبيرغ أن فتاة تدعى “ليديا كونوبليفا” وهى ناشطة منتسبة للحزب الاشتراكي الثوري قد اشتركت مع كابلان فى مؤامرة الاغتيال , فشخصية مثل لينين لا يمكن اغتياله بمؤامرة دبرتها امرأة بائسة مثل كابلان تعانى من أمراض مزمنة وفقدان بصري جزئي .

 

ويؤكد هذا أيضا التناقض الشديد بين التحقيق الرسمي الذى أجري مع عمال المصنع والذين صبوا جام غضبهم على كابلان والتحقيقات الأخرى التي أجراها “بيتر ياكوف- وهو أحد مؤسسي الشرطة السرية السوفيتية أو الشي كا-” وقد ارتأت إلى ضرورة القاء القبض على عدد من المشتبه بهم والمتآمرين مع كابلان , وهذا يوضح أن كابلان ليست وحدها في تلك المؤامرة .

 

لماذا شبهت كابلان بالمرأة البائسة ؟

 

هنا سيتم تساؤل عن سبب طرح عنوان المقال “فانيا كابلان ..المرأة البائسة” , والقول هنا أنه من خلال قراءتي للشخصية وجدتها في قمة البؤس والحرمان فهى سيدة لم يكن لديها أى اختيار لكي تكون مع هذا أو ذاك ولكن الظروف المحيطة بها هى ما دفعتها للنهاية الأليمة ولذلك اعتبرتها امرأة بائسة  , فهدفي من قراءتي وكتابتي للشخصية القول بأن النظام الطبقي والديكتاتورية الثورية أداتان تدفعان الناس نحو صناعة الجحيم لأنفسهم ولغيرهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد