إشكالية المثقف المستعمَر

المثقف المستعمَر هو فرد خارج عملية التحرر الوطني. فهو لا ينتمي إليها ولا يعبّر عنها نتيجة الحرص الزائد على إبقاء الصلة بينه وبين الاستعمار، ما أدّى إلى ابتعادهِ عن فئات الشعب التي تتوق للتحرر من الاستعمار. فقاعدة الأحزاب السياسية والنخب المثقفة تتألف من سكّان المُدن الكبرى التي لم تخض نضالًا حقيقيًا بل على العكس بدأت تستفيد من الوضع الاستعماري، وتحددت مطالبها في الإصلاح وتحسين الأحوال، وليس في تحطيم الاستعمار نفسه.

أدّى الحوار الطويل الذي دار بين المثقف المستعمَر والطبقة البرجوازية الاستعمارية ساكنة المدن، إلى رغبةٍ عارمةٍ في التشبه بالمستعمِر، والإيمان بقيمهِ ومبادئهِ. بينما الجماهير ترى نفسها بديلًا طبيعيًا للمستعمِر؛ تريد أن تحل محلّه، ولا تريد أن تكون ندًا له. هذا الانفصال الجوهري بين المثقف والجماهير يؤدي إلى التمايز الجوهري في الهدف والنهج الممارس مع المستعمِر.

يتأثَّر المثقف المستعمَر بالقيم البرجوازية للمحتل، فيعتقد أن الماهيات تبقى خالدة[1] وأن على المستعمَر أن يستفيد من تجربة الأوروبي التقدمية وأن يستعين بموظفين إداريين أو فنيين مختصّين؛ وهو ما تراه الجماهير مناوراتٍ تخريبية؛[2] وهو يؤمن كذلك بانتصار الشخصيّة الإنسانية والدعوة إلى الوضوح والجمال وقيم البحر الأبيض المتوسط التي تتحوّل في عين المناضّل إلى دُمى لا حياة فيها وألفاظ ميّتة، لا تتصّل اتصالًا مباشرًا بالمعركة المادّية التي يخوضها الشعب.

وقيم الفرديّة البرجوازيّة التي ترى المجتمع مكوّنًا من أفراد لكل منهم ذاتيّتهِ الخاصّة؛ تحجب عن المثقف المستعمَر اللغة الجديدة النضالية التي تتبدّى في أشكال تنظيم الكفاح وتجعل من قضيّة كل فرد قضيّة كل الأفراد، وتعتبر أن نجاة الفرد هي شكل كافر من أشكال السلامة، وأن النجاة تعني نجاة كل الأفراد. فرغبة المثقف أن يعيش المستعمَر والمحتل في عالمٍ وهميّ جديد مبعثها أن المثقف ما زال يعيش في هذه النظرة الدونية التي سبغها عليه المحتل، وتمنعه من رؤية حقيقة أن المستعمِر لن يهمّه التعايش السلميّ متى انتهى الاستعمار.

يسقط المثقف المستعمَر كذلك في فخ الدفاع عن الذات. فهو يأخذ الاتهام الاستعماري؛ بأن المجتمع المستعمَر هو مجتمع خالٍ من القيم؛ على محمل الجد، فيحاول أن يثبت القيمة في ثقافة المجتمع المستعمَر، بدلًا من نبذ جميع ادعاءات الاستعمار التي تعمل كغطاءٍ معنويّ للمستعمِر على المستوى الدولي. بينما الجماهير تسخر من مثل هذه الادعاءات وتلفظ كل قيم المستعمِر.

ابتعاد المثقف عن ميدان المعركةِ وحقيقة الممارسة الاستعمارية التي غيّرت التكوين النفسي والاجتماعي للبلد المستعمَر تجعله يأخذ قضيّة العنف الذي أدى إلى التقسيمات الماديّة والمعنوية للعالم المستعمَر كقضيّةٍ فلسفيةٍ يمكن مقاومتها فكريًا. فيفهم المعركة على أنها علاقة بين وجهتيْ نظر يمكن التوفيق بينهما بخطاب المساواة بين البشر، دون أن ينتبه إلى حقيقة المصالح الاقتصاديّة الاستعمارية للبلد المستعمِر التي ترى البلد المستعمَر ينبوعًا للمواد الأوليّة وسوقًا للمنتجات الأوروبية. فمبدأ اللاعنف الذي ينادي بهِ المثقف يصب مباشرةً في مصلحة المستعمِر.

والموقف الذي يقفه المثقف المستعمَر وقادة الأحزاب السياسية؛ في نبذ العنف الجامح الذي تعمد إليه الجماهير والدعوة إلى اللاعنف؛ مبعثه عدم المشاركة الحقيقية في عملية النضال التحرري؛ وعدم الإيمان بأن هذا العنف هو السبيل الأنجع في الدفاع عن مصالح الجماهير الخاصّة. بل يروه نوعًا من اليأس وسلوك انتحار، ذلك أن انتصار العنف الثوري – في ظنّ المثقف – يقوم على إنتاج الأسلحة والقوّة الاقتصاديّة للبلد المستعمَر وهي عاجزة إذا قورنت بالبلد المستعمِر وقوته العسكرية والاقتصاديّة. غير أن ابتعاد المثقف عن الميدان يحجب عنهُ رؤية الجانب الآخر من الحقيقة وهو التواطؤ الموضوعي بين الرأسمالية وقوى العنف المستعمِرة. فالعنف المضاد الذي تصر عليه الجماهير يدفع بالفئة الاحتكارية من برجوازية البلد المستعمِر للضغط على حكوماتهم من أجل أن تحمي مصالحهم الاقتصادية.

يغيب عن المثقف المستعمَر كذلك حقيقة أن قضية احتلال بلده عسكريًا ليست هي قضيّة المستعمِر الوحيدة، فالبلاد الاستعمارية على الصعيد الدوليّ تحتاج لأن تحمي نظامها السياسيّ في بلدها، ما يعني أنها لا يمكن أن تضحي بكل قواها العسكرية في البلد المستعمَر، ويقلقها كذلك نزوح الشعب والجماهير إلى اليسار والإيمان بالاشتراكية في مرحلة التحرر الوطني وانفتاح الجماهير لعقيدةٍ عدوّة.[3] ومتى أوصل العنف الثوري المعركة إلى هذا الحد، فإن الذعر يبدأ في اجتياح الحكومات الاستعمارية ويستولي عليها، وتكون استراتيجيتهم الوحيدة الباقية هي ضرورة تحويل حركة التحرير إلى اليمين، وتجريد الشعب من الحجج التي يؤمن بها. ووسيلتهم في تنفيذ ذلك هي المثقف المستعمَر والأحزاب السياسية التي تبادر إلى عرض نفسها كوسيطٍ للحوار، فتسلّم الرأسمالية بمنح الاستقلال واحترام سيادة الدول.

يخرج المستعمِر من الأرض المستعمَرة دون أن يخرج الاستعمار منها. يخرج قبل أن ينضج الوضع الثوري ويبدّل الأوضاع الاجتماعية التي نتجت عن الاحتلال. وحين يخرج المستعمِر فهو يمنح دوره السياديّ إلى الأحزاب السياسية والطبقة البرجوازيّة الوطنية التي تعيد إنتاج الاستعمار في شكلٍ وطنيّ.[4]

خاتمة

مثّلت الإشكالية الأساسية للمثقف المستعمَر عند فانون أنه يفتح بابًا خلفيًّا للاستعمار من أجل الالتفاف حول عملية التحرر الوطني وإسقاطها قبل أن تنتهي عملية إسقاط العالم الاستعماري المنقسم، فيخرج الاستعمار شكلًا فقط ويترك العالم الاستعماري على حالهِ المنقسم.

تأتي أهميّة فانون من إدراكهِ لهذا العنصر الجديد – في السياق العربي – الذي يغيّر معادلة المثقف تمامًا. إذ يأتي فهم مدى تأثُّر المثقف في هذه الحالة بالآخر وابتعادهِ عن الجماهير؛ بفهم إشكالية المثقف المستعمَر وابتعادهِ عن الميدان الذي يعمل فيهِ الشعب والجماهير.

تناولنا إشكالية المثقف في عدم فهم العالم الاستعماري من حيث انقسامه الماديّ والمعنويّ إلى مستعمِرٍ ومستعمَرٍ لا سبيل إلى المصالحة بينهما، إذ لا يكمل كل قسمٍ القسم الآخر وإنما يسعى لأن يحلّ محلّه. وناقشنا دور العنف الاستعماري في تفتيت المجتمع وتحقيق هذا التقسيم، ونزوح المثقف إلى البرجوازيّة الاستعمارية وإيمانه بقيمها ومبادئها بدلًا من نبذها وخوض المعركة مع الشعب لإنتاج لغة ثوريّة جديدة وإحياء القيم والثقافة التي حطّمها المستعمِر أثناء عملية الاستعمار. وناقشنا كذلك دورهُ في إنهاء الاستعمار شكليًا دون أن يوازي هذا الإنهاء تحطيمًا جذريًا للعالم الاستعماري.

هل يمكننا إذن أن نفهم إشكالية المثقف العربي في السياق العربي الحديث وخاصّة ما بعد ثورات الربيع العربي، وسلوكيات الأحزاب السياسية المختلفة، والتربيطات السياسية والثقافية التي أتت بعد ثورة 2011 في مصر مثلًا، التي قبلت بالمجلس العسكريّ بديلًا للنظام، بل ووضعت نفسها وسيطًا للحوار مع النظام القديم وعرضت له مهربًا خلفيًا –كالمصالحة – شارك في سقوط الثورة منذ بدايتها؟

———————————

هوامش:

[1] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ27.

[2] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ26.

[3] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ49.

[4] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ 88.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد