يعد هذا المقال مقابل (وإن لم يكن جزءًا ثانيًا) لمقال التقنيات الفانتازية، الذي يدين الفضل في كتابته لمحمد الدواخلي وياسين أحمد سعيد، حتى وإن كانت عناصرة موجودة لدي من قبل.

الظاهرة هي أي حدث يمكن ملاحظته أو مراقبته أو رصده. وهنا نرص سبعة من أبرز الظواهر الفانتازية. ويفترض أنه لا يمكن حدوثها في إطار واقعنا.

[1] الإرتقاء

أكثر الظواهر الفانتازية – والتي لها صدى كبير في الخيال العلمي – غرابة وقدرة على توليد الرعب، وهي الفكرة المنبثقة من أحد الأسئلة الوجودية الكبرى

من أين أتينا؟ وإلى أين نذهب؟

والإجابة تتوزع على عدة مناحي

فالظروف التي تحيط بالبداية والنهاية، تذهب بنا من حيث الزمان إلى سرمدية ذات طرفين؛ أزلي (أي استمرار الوجود في أزمنة غير متناهية للماضي) وأبدي (أي استمرار الوجود في أزمنة غير متناهية للمستقبل). ومن حيث المكان تذهب بنا إلى مكان نأتي منه ونعود إليه؛ مكان لا مكان فيه حيث العدم، أو مكان لا مكان يشبهه (والعدم أيضًا لا شبيه له ولكنه لا مكان أصلًا) حيث الآخرة. وغير ذلك من التصورات.

والزمان وفق مفهوم الإرتقاء الإنساني يتمحور حول الإنسان، وثلاثة أفكار أساسية.

الأصل أي الصورة التي كان عليها الإنسان أو المولد الذي أتى (خُلق) منه.

المصير أي الصورة التي سيصير إليها متجاوزًا فكرة الموت.

التطور، وهي مراحل تطور الإنسان بين الأصل والمآل.

وفكرة التطور مرتبطة بالأصل (البداية) والمصير (النهاية)، وتنبثق عنها تصورين.

الأول هو الإنحدار، والثاني هو الإرتقاء. والأخير ما يعنينا.

والارتقاء يأتي من أصلين مختلفين بارزين وغير وسطيين، فإما مبالغة في الإرتقاء بالقول مثلًا أن أصل الإنسان إله (كما في الأساطير الإغريقية وفي الثنائية الجديدة من سلسلة أفلام الغرباء Aliens) ويكون الإرتقاء هنا بالاقتراب من الأصل. وإما مبالغة في الانحطاط بالقول مثلًا أن أصل الإنسان قرد (كما في نظريات فرويد ومخاوف لافكرافت) ويكون الارتقاء هنا بالابتعاد عن الأصل.

وأيًا كان الأصل تظل فكرة الإرتقاء من زاوية ما قائمة منعزلة عن الأصل غير متأثرة به، تتجلى بوضوح في حلم الإنسان نحو تحقيق المستحيلات، مثل السفر والتنبؤ والطيران والإختفاء وغيره. وفي طرح نيتشه لمفهوم السوبرمان.

[2] التحول

التحول هو تغيير يحدث في شيء محيلًا إياه إلى شيء آخر مع احتفاظه بشيئته أو نيله ماهية أخرى.

ويمكن إعتباره من المقولات الوجودية الكبرى.

والتحول يمكن تقسيمه إلى نوعين من حيث المدة الزمنية؛ تحول إرتقائي (أو تطوري لأنه تغيير قد يكون للأحسن أو الأسوأ) – وقد ذكرنا الارتقاء في الفقرة السابقة – وتحول فجائي وهو الذي يحدث فجأة مثل انمساخ كافكا وتحولات أوفيد.

وتحتهما تندرج كل أنواع التحول الأخرى، ومنها نذكر

1-الانمساخ

هو تحول إنسان إلى مسخ.

2-التوحش

هو تحول وحش إلى وحش آخر.

3-الجنون

هو التوحش النفسي، حيث تتحول نفسية الإنسان إلى شخصية أخرى.

4-التشيؤ

هو تحول الإنسان إلى جماد، أو الأحياء إلى أشياء.

5-الأنسنة

هو تحول الجماد إلى إنسان، أو الأشياء إلى أحياء.

6-التأنسن

هو إيجاد أشباه قريبة من الإنسان شكلانيا وعقلانيا، مثل الأشباح والأموات والفضائيين والوحوش. وهو من أنواع التناسخ ولا نقصد هنا التناسخ بالمفهوم الديني بل الميتافيزيقي.

7-التجسيد

يحدث هذا التحول مع المعاني المجردة.

[3] التناسخ

التناسخ هو تواجد نسخة عن الأصل.

النسخ هو نوع من التحول يصيب الكم أولا فيصنع من الشيء شيئين أو أكثر، بقية سمات التحول تظهر في التغيرات المحدثة بين الشيئين. وأبرزها بعد الكم هو الشكل، حيث يمكن تقسيم مستويات النسخ طبقا لمدى التطابق بين النسخ. إلى

1-التشابه

هو علاقة تجمع كائنين (أو أكثر) بينهما بعض الصفات المشتركة.

2-الإنعكاس

هو ظل أو صورة معكوسة أو أثر مشابه يصدر عن الأصل.

3-التناسخ

هو علاقة تجمع كائنين بينهما الكثير من الصفات المشتركة أعلى من التشابه وأدنى من التطابق.

4-التماثل

هو علاقة بين كائنين متطابقين في كل الصفات.

[4] السحر

السحر هو إذهال العقل بما لا يُعقل.

وبناء على هذا التعريف تنشق بقية المفاهيم عن السحر في الأيديولوجيات المختلفة، فمن المنظور الإسلامي والديني بشكل عام السحر هو عميلة تدنيس للأديان السماوية يقوم بها الساحر إرضاءً للشيطان مقابل خدمات شيطانية إرضاءً للساحر. وهذا لا يخالف التعريف السابق لأن أي علاقة قائمة بين الإنسان والشيطان يعني أنها خارجة عن العقل، ومدرجة ضمن الغريب والمذهل. لأن الغالب على واقعنا وبالتالي عقلنا، هو النظام المادي، ونظرا لإنتماء الشيطان إلى الجانب الروحاني من الواقع، صار بذلك غريبا علينا.

على هذا الأساس فالسحرة في الإسلام دوما أشرار، والسحر محرم يعد من الكبائر السبعة في الشريعة. بعكس الصورة الفانتازية عن السحر التي قد لا تنكر أصله الشرير إلا أنها تشهد بوجود سحرة طيبين يستخدمون السحر في الخير. هذا المعتقد موجود في التراث الإسلامى لدى فئة غير قليلة من المسلمين، بالرغم من تحريم الإسلام للسحر صراحة.

السحر في الخيال يلتزم بالتعريف الأول (إذهال العقل بما لا يُعقل) لذا يرتبط عادة بالمدرسة الخيالية؛ ذهول المتلقي تجاه الأشياء المخيفة في أدب الرعب، وذهوله تجاه ما يمكن أن يحققه العلم في الخيال العلمي الذي يحول الأمور السحرية المستحيلة إلى حقائق ممكنة الحدوث. وأخيرًا في الفانتازيا والذهول تجاه هذا الأدب الذي يعبر عن الخيال الجامح. وهذا التعريف لا يختلف مع الرؤية الإسلامية للسحر، فالإسلام يفرق بين سحر الأذى وسحر الوهم – ربما لهذا جرى الاعتقاد بوجود سحر أبيض وأسود، علوي وسفلي. سحر الأذى قائم على الذهول الذي ينتابك لقدرة شخص على أذيتك دون أن يمسك بيديه. وسحر الوهم يهدف إلى إذهال المتفرجين من العروض المسرحية القائمة على خفة اليد وخداع البصر. والسحر جزء من واقعنا مهما أنكر الوضعيون والماديون ذوي الرؤية الضيقة. إلا أن وجوده في الأدب لازال ينحى بالأدب من المدرسة الواقعية إلى المدرسة الخيالية. عدا قلة من المبدعين اللذين تطرقوا إلى استخدام عنصر السحر بمعناه الحرفي (أي الممارسات الخارقية المبنية على تواصل مع قوى علوية) في نصوصهم الأدبية، وعلى رأسهم نجيب محفوظ دون أن يخرج عن الواقعية في أدبه. بينما هناك عظماء آخرين أسسوا لنوع فانتازيا يتقارب بقوة مع الواقعية أسموه الواقعية العجائبية (العجب مرادفا للذهول) أو الواقعية السحرية، حيث عنصر السحر بمعناه الخوارقي الأكثر عمومية (أي كل ما هو خارق للطبيعة). هذا بالطبع غير السحر بمعناه المجازي في الأدبيات جميعا. وصعودا بمستويات الخيال إلى الفانتازيا الصرف التي تؤسس للسحر في واقعها الخاصة، خالقة مفهوم مشتق يسمى نظام السحر.

ونظام السحر (ماجيك سيستم Magic System) هو نظام يحكم معايير القوى في العوالم الخيالية من أجل إحتوائها في إطار الواقعية والمنطقية لمنع الصانع من العبث والإستهانة بعقلية المتلقي. وهو عبث يؤدي إلى فوضى تفسد إيقاع الأحداث وقوة الحبكة واستمتاع المتلقي إلا في حالات معينة تكون فيها الفوضى جزء من النظام الذي بني عليه العمل، كما في السريالية على سبيل المثال.

ويرفض أحمد صلاح المهدي مفهوم نظام السحر، لأن يفقد (السحر) «سحره» بتحويله لشيء متوقع عبر تقنينه وفقا لنظام يشبه النظم التي يسير بها واقعنا.

[5] الزمن

الزمن أقرب للخيال العلمي من الفانتازيا، ويعنينا منه مساره الغير تقليدي. يعني لا يخصنا تعريفه بصفته زمن يسير بنا أو نسير به كائنا كما هو في واقعنا هذا، عدا في أهمية التعريف نفسه لفهم الزمن ثم الإنتقال إلى الإجراءات التي ينزلها عليه الكتاب في أدب الفانتازيا والخيال العلمي.

تلك الإجراءات هي:

1-السفر عبر الزمن

2-إيقاف الزمن

3-تمديد الزمن

4-الإنتقال الآني

5-الخلود

6-إلغاء الزمن

7-التلاعب بالزمن

[6] العوالم

تعدد العوالم هو وجود أكثر من عالم. منفصلة عن بعضها أو متصلة ببعضها.

وهي فرضية فانتازية أصلية، في واقع مادي يحتم علينا عالمًا واحدًا هو الذي نعايشه بصورة واضحة عن تجارب أخرى. مادية تعمل على إقصاء عوالم أخرى بدئا بالعوالم التي تتلامس مع الواقع مثل الروحانيات والأحلام والوهم والخيال البشري وحتى نظرية تعدد العوالم التي يدعي بعض مؤيديها أن ظاهرة الديجافو هى إحدى تجليات تلك النظرية.

مرورا بالتصورات الأخروية التي تطرحها الديانات والفلسفات معتبرة الموت حاجز بين عالمنا وعالم آخر.

وصولا إلى التخيلات الخالصة والجامحة والعوالم التي يبتكرها الخيال البشري في فنونه السبعة (الأدب، السينما، التصوير، إلخ…) مبدعًا في تصميم أحداثها وشخصياتها وتاريخها وأماكنها وطرائق الوصول إليها إن توفرت. عوالم مقتبسة عن الواقع أو مبتعدة عنه. متداخلة فيما بينها، أو مستقل كل عالم عن الآخر.

[7] الموت

ظاهرة الموت تعد من الظواهر الأساسية في واقعنا، ويكاد لا يمكن تخيل واقع فانتازي بدونه، فحتى عالم بدون موت يظل الموت موجودا فيه باعتباره شيئًا لم يعد موجود. عدم الموت هو المنظور الأول الذي يمكن من خلاله تناول الموت في الفانتازيا. ظواهر الموت الفانتازية ومواضيعه الواقعية هي:

1-الغرابة في الموت

2-كثرة الموت

3-الجنس والموت

4-الخنق بصفته نافذة على الموت

5-الدنو من الموت

6-العودة من الموت

7-الموت

8-الموت فنيا / أدبيا / سينمائيا / أسطوريا

9-الميتات غير الواقعية

10-النجاة من الموت

11-آلهة الموت

12-أماكن تعبق برائحة الموت

13-أنواع الموت

وغيرها من المواضيع التي تشكل عناوين لمقالات أنشرها لاحقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد