الإسلام ظاهرة سياسية ليست جزءًا من ألمانيا – غاولاند (زعيم حزب البديل لأجل ألمانيا)

انتهت الانتخابات العامة الألمانية على فوز التحالف المحافظ بقيادة ميركل بالمركز الأول بنسبة 34.7 % من نسبة الأصوات، ولكن المفاجئة كانت بحصول حزب “البديل لأجل ألمانيا” اليميني المتطرف على المركز الثالث بنسبة 13.3% من الأصوات، ليدخل البوندستاغ (البرلمان الاتحادي الألماني) لأول مرة منذ تأسيسه، ويتواصل معه شبح صعود اليمين المتطرف في أنحاء أوروبا والجدل القائم حوله، فبعد النمسا، هولندا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا والسويد ها هي ألمانيا تعاني من نفس الظاهرة الشعبوية، اختلفت أسماء الأحزاب باختلاف الدول، ولكن التقت على خطاب عنصري واحد مفاده كراهية المهاجرين ومحاربة المظاهر الإسلامية في أوروبا، إضافة إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي.

أرقام وإحصاءات

بدأت مظاهر صعود اليمين المتطرف تلوح في الأفق مع بداية العُشرية الثانية من الألفية الحالية، فعلى سبيل المثال في السويد حصد حزب ديموقراطيو السويد على 12.7 % من الأصوات خلال الانتخابات البرلمانية سنة 2014، مسجلًا ارتفاعًا من نسبة 5.7 % سنة 2010، ليكون بذلك القوة الثالثة في البرلمان بعدما كان سادسًا في 2010. بالانتقال إلى بريطانيا، فإن حزب استقلال المملكة المتحدة هو رأس الأحزاب اليمينية المتطرفة، وقد حقق الحزب تقدما لافتا في الانتخابات المحلية للمملكة المتحدة سنة 2014 باحتلاله المركز الرابع، ويعد أكبر انتصار للحزب عندما حصل على المركز الأول في بريطانيا في الانتخابات البرلمانية الأوروبية بنسبة 27.5% من أصوات الناخبين البريطانيين، تراجع الحزب بعد ذلك في على المستوى السياسي، لكن صدمة استفتاء بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي في يونيو 2016 كانت صفارة الإنذار بصعود اليمين المتطرف في أوروبا بعدما جاءت نتائج التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وكان من تبعات هذا الاستفتاء استقالة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون.

وعلى خطى كاميرون سار رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي وقام بتقديم استقالته بعد خسارته في استفتاء إصلاح الدستور في إيطاليا في ديسمبر 2016 وكان أبرز معارضيه في الاستفتاء حزب الشمال اليميني المتطرف وحركة خمسة نجوم، أما في النمسا فيشكل اليمين المتطرف ثالث قوة سياسية في البرلمان بعد انتخابات 2017، وقد كان الحزب على وشك تولي رئاسة البلد سنة 2016 بعد خسارة مرشحه نوربرت هوفر بفارق ضئيل جدًا عن منافسه الكسندر بلين بعدما كانت استطلاعات الرأي تشير الى فوزه، وهو ما اعتبر ضربة موجعة لليمين المتطرف أوروبا، ولكن بالرغم من خسارته فإنه حقق تقدمًا كبيرًا مقارنة بالاستحقاقات التي سبقت ذلك.

في هولندا يشكل حزب الحرية ثاني قوة سياسية في البلاد وذلك بعد حصوله على 13.1% من أصوات الناخبين خلال تشريعيات مارس 2017 ويرأس الحزب خيرت فيلدرز صاحب فيلم “فتنة” المسيء للإسلام وللقرآن، وفي فرنسا تعتبر مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية واحدة من أكثر اليمينيين المتطرفين في أوروبا، وقد خسرت الانتخابات الرئاسية في أبريل 2017 أمام إيمانويل ماكرون، ولكنها مرت للدور الثاني لأول مرة و حصلت على ما يزيد عن عشرة ملايين صوت من أصوات الناخبين.

أمام هذا الصعود اليميني في البلدان المذكورة ويضاف إليها الكثير من البلدان الأوروبية الأخرى كالمجر، سويسرا، النرويج، فنلندا، بلجيكا وغيرها، والولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترامب، كان لابد من البحث في الأسباب والعوامل التي أدت ذلك.

الأسباب والعوامل

الهجرة + الإعلام + الإستغلال السياسي + فوز ترامب = صعود اليمين المتطرف في أوروبا.

1- الهجرة واللجوء “تهديد الهوية الأوروبية”

شكل الربيع العربي والأزمة المالية العالمية ثقلًا آخر على شعوب الجنوب التي تعاني أصلًا صعوبات جمة في الحياة، فكان من نتائج ذلك ازدياد عدد المهاجرين واللاجئين بنسب وأرقام مهولة، وتكون الوجهة في معظم الحالات أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فعلى سبيل المثال صدّرت الثورة السورية وحدها ما يزيد عن خمسة ملايين لاجئ، وقدم أكثر من ثمانمائة ألف سوري طلب اللجوء في أوروبا، وفي سنة 2015 وحدها وصل أكثر من سبعمائة ألف مهاجر غير شرعي إلى شواطئ أوروبا قدومًا من شمال إفريقيا.

هذا النزوح الديموغرافي الرهيب رأى فيه المواطن الأوروبي تهديدًا، فبالإضافة إلى الاختلاف في اللون والديانة، أصبح الكثير من المهاجرين مصدرًا للمشاكل بسلوكياتهم الموروثة في بلدانهم التي لا تتناسب إطلاقًا مع البلدان الأوروبية، خلق هذا الأمر مشكلة الاندماج التي تطرح بقوة اليوم على طاولات الحكومات الأوروبية.

2- الإسلاموفوبيا والتهويل الإعلامي

أنقذ رجل طفلًا من بين أنياب أسد برمي الأسد بالرصاص فهلل الإعلام للبطل، ولما علموا أنه مسلم مهاجر ثار الإعلام مطالبًا بحقوق الحيوان وتحول العنوان “الإرهاب الإسلامي يطال الحيوانات” -طرفة وعبرة

حمل الخطاب الإعلامي الغربي توجهًا خطيرًا ضد المسلمين في السنوات الأخيرة خاصة بعد 11 سبتمبر، وأراد إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام مباشرة دون تمحيص لأغراض سياسية واستخباراتية بحتة، في إطار التحضير لبرنامج جديد ضد العالم العربي والإسلامي، وكان الإعلام الغربي يمزج بين أفعال داعش وبين التفجيرات التي كانت تحدث في أوروبا (في أغلب الأحيان مرتبة من طرف الاستخبارات) وكانت تُضاف إلى كل هذا قضايا جانبية معزولة مثل الحجاب والبوركيني، والزواج بأربعة نساء، لتكتمل الصورة في ذهن الرجل الغربي أن الرجل العربي المسلم إرهابي جاهل متحجر بعيدًا عن الحضارة.

أدى هذا الى الخوف من كل ما هو إسلامي ونادى الكثير بإغلاق المساجد والتضييق على المسلمين في وظائفهم وفي سفرياتهم، وإصدار قوانين بحظر ارتداء الحجاب.

3- استغلال سياسي “قميص عثمان”

في معركة صفين التي كانت بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية، أحسّ عمرو بن العاص في عسكر معاوية فتورًا في المحاربة، فشار على معاوية أن يبرز لهم قميص عُثمان، ليجعلهم يستأنفون المنازعة، ففعل ذلك معاوية، وحين وقعت أعين الجند على القميص ارتفعت ضجتهم بالبكاء والنحيب، وتحرك منهم الساكن، وثارت أحقادهم فاندفعوا يقاتلون.

كان الوضع السائد الذي ذكرناه (الهجرة والتهويل الاعلامي) بمثابة التربة الخصبة لأحزاب اليمين المتطرف لزراعة بذورها المسمومة في المجتمعات الغربية، وكان يتم التركيز على مشاكل الاندماج، التفجيرات، وتوظيف الأجانب على حساب الأصليين، لإثارة النزعات العنصرية وتهييج الشعب على المؤسسات القائمة.

تهييج العواطف ليس بالأسلوب الجديد على هذه الأحزاب، فهي لا تعادي الإسلام بشكل خاص، بل تستغل كل وسيلة للوصول الى السلطة، فقد كانت السامية اليهودية هي الضحية خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما تسبب في المحرقة (سواء حقيقة أو تضخيمًا)، والآن هذه الأحزاب في تقارب مع إسرائيل، أما في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثلًا فقد كان “قميص عثمان” هم المواطنون من الاتحاد الأوروبي الذين أخذوا وظائف البريطانيين حسبهم، وفي حالة الولايات المتحدة الأمريكية فقد هاجم ترامب المسلمين من جهة، والمهاجرون المكسيكيون من جهة أخرى، وأيضًا العمالة الصينية.

4- فوز ترامب “حجر الدومينو”

أظن أن الإسلام يكرهنا -دونالد ترامب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية)

لقد كان فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في انتخابات نوفمبر 2016 بمثابة حجر الدومينو الذي يسقط الأحجار الأخرى، واحتفت بفوزه كل الأحزاب اليمينية، كيف لا وهو الذي تقاطع معهم في كثير من الأمور منها عداؤه للمسلمين وكراهية الأجانب، وخلال الفترة التي كان ترامب يقود حملته صُدمت بريطانيا في استفتاء البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي الذي ذكرناه، وبعد فوزه بشهر جرى استفتاء إصلاح الدستور في إيطاليا الذي ذكرناه سابقًا، وبعد يوم واحد من تولي ترامب منصب الرئيس رسميا في يناير 2017 اجتمع زعماء اليمين المتطرف الأوربيين في ألمانيا لتعزيز العلاقات بينهم وحثوا الأوروبيين على الاستيقاظ خلال سنة 2017، هذا وأرسلت مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا آحر تهانيها إلى ترامب، وكتب والدها مؤسس الحزب على تويتر “اليوم الولايات المتحدة وغدا فرنسا”، وبالفعل حققت مارين لوبان تقدمًا لافتًا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل 2017، وها هي اليوم ألمانيا تشهد بالفعل صعود الأحزاب اليمينية بدخول حزب البديل إلى البرلمان لأول مرة.

خاتمة

أيها العرب العنصرية أمامكم والاستبداد من ورائكم، أين المفر؟

لا يعني تقدم اليمين المتطرف في الانتخابات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بالضرورة هو انتصار للأفكار المتطرفة التي يدعو إليها، لأنه في كل البلدان يتحدث من منبر المعارضة، وليس منبر الحكم، وخطاب الحكم تحكمه البراغماتية والمصالح المتبادلة فبمجرد وصولهم سيتنازلون عن الكثير من ذلك، لكن حقيقة أن أجندة النقاش السياسي في الغرب أصبحت تحمل مثل هذه الخطابات العنصرية يولد حالة من الاستقطاب في المجتمعات تنعكس على الواقع الاجتماعي اليومي للأفراد ويظهر ذلك في تصرفات عنف عديدة، وغياب الثقة بين أفراد المجتمع الواحد بسبب الخوف من الآخر غير المنسجم مع الأنا.

وبهذا يصبح النظام السياسي الغربي الليبرالي الذي تم تبنيه بعد الحرب العالمية الثانية المبني على الحرية وقيم التسامح ونسيان البعد التاريخي والانفتاح على الآخر محطّ تهديد بالانهيار قد يعصف بأمن العالم ويعيدنا إلى حروب أخرى، وقد تكون هذه الحروب هي صدام بين الحضارتين الإسلامية والغربية، كما قال هنتنغتون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد