رغم حصوله على ماجستير في العلوم الزراعية ودكتوراه الفلسفة في الاقتصاد الزراعي، إلا أنّ المصري ابن بلدة الزرقا بمحافظة دمياط سرعان ما خطف الأنظار وأثار الجدل بكتاباته السياسية والاجتماعية من خلال مجموعة من الكتب والمقالات التي كانت بعيدة كل البعد عن اختصاصه الأكاديمي، وبقلم كان حبره كالرصاص تغلب شهيد الكلمة على أيادي الغدر التي قامت باغتياله في 8 يونيو في القاهرة.

 لم تدرك الجماعات الإسلامية التي قامت بالتخطيط والتنفيذ لاغتيال فرج فودة أنّها وبهذا الاغتيال لم تتخلص من ضحيتها، لا بل على العكس تمامًا فقد كان هذا الاغتيال نتيجة لاستنساخ نُسخ  جديدة من هذا المفكر، ولم تدرك هذه الجماعات أيضًا أنّها وبهذا العمل الإجرامي قد أعلنت فوز وانتصار فودة بكلماته التي باتت خالدة في أذهان الكثيرين.
أثار فرج فودة غضب واستهجان مجموعة من رجال الدين بسبب توجهه بالعديد من أعماله ومؤلفاته ضد ما يمكن تسميته بجماعات الإسلام السياسي، حيث طالب بفصل الدين عن السياسة والدولة وهذا ما كان سببًا لتحرك جبهة علماء الأزهر ضده وشنت هجومًا كبيرًا عليه فلم يتم  الترخيص لحزبه، بل وأصدرت تلك الجبهة بيانًا بكفره.

كما رفض د.فودة التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين لخوض انتخابات مجلس الشعب المصري عام 1984 واستقال نتيجة لذلك من حزب الوفد الجديد الذي كان طرفًا في تأسيسه.

وبعد أن أسس الجمعية المصرية للتنوير في شارع أسماء فهمي بمدينة نصر، وبعد مناظرة تلفزيونية شهيرة ما تزال محفورة في ذاكرة الأجيال وبعد فتوى دينية ذات مصالح خبيثة حُكم عليه بما يسمى حد الردة عن الدين والجماعة ليتم اغتياله بدم بارد وضمير نائم برصاص الغدر والتطرف الديني.

فرج فودة باختصار مفكر من طراز مختلف فقد تنبأ بمستقبل العرب قبل حوالي 25 عامًا من الآن، حيث أدرك تمامًا حجم الخطر للجماعات الإسلامية والتيارت المتشددة في إضعاف الوطن وتدميره وتشتيته من الداخل تحت ستار الدين، وكشف عن فضائح شركات توظيف الأموال في كتابه الشهير (الملعوب) وذلك من خلال مجموعة من المقالات حول بعض الممارسات التي كانت تتم تحت عنوان الاقتصاد الاسلامي.

كما نقد التلفزيون والإعلام وتكلم بأكثر من موضع حول مشكلة تسليط الأضواء على الأشخاص الخطأ حيث تمت صناعة مجموعة من رجال الدين ونجوم الدعوة والموعظة الذين هموا بعد ذلك بتنصيب أنفسهم في موضع الوسيط بين العبد وخالقهِ حيث قال في كتابه (الإرهاب): «إنّ من الأخطاء التي وقع فيها التلفزيون، أنّه خلق نجومًا تلفزيونية كان له الفضل الأول في إبرازها وشهرتها وإخلاء مساحات شبه يومية لها، وأتاح لها من ساعات الإرسال ما لم يُتحْه لأحد، لكنها في بعض الأحيان تجاوزت نصرة الإسلام إلى مهاجمة غير المسلمين، وتعدت تثبيت عقيدة المسلمين إلى التشكيك في عقائد الآخرين وعندما تنبه المسئولون لذلك كان الوقت متأخرًا، وكان تحديد الوقت أو تغيير موعده مستنكرًا، وكان استفزاز مشاعر الآخرين من أبناء الوطن قائمًا ومحسوسا ومحزنًا».

 إنّ الأفكار الضعيفة بحاجة إلى سلاح دائمًا لحمايتها، وهذا ما يؤكد عليه شهيد الكلمة فرج فودة حيث يقول في كتابه (نكون أو لا نكون) إنّ الذي يحتمي بالمدفع في حواره جبان، والجبناء لا يخشاهم إلا الجبناء، والشجعان وحدهم يرثون الأرض، والرحماء وحدهم يبنون المستقبل، وفي البدء كانت الكلمة، وفي الختام تكون، وإذا كان مطلقو الرصاص قد ارتكبوا جرمًا، فإن من يزايدون عليهم بالأحزاب السياسية والصحف الدينية يرتكبون جرمًا أكبر، ومن يخافون منهم اليوم يرتكبون جرمًا أكبر وأكبر.

يبدو أن فرج فودة لم يتنبأ بمستقبل العرب والمسلمين فقط بل تنبأ بالكثير والكثير من التنبؤات التي تحققت بالفعل مثل سقوط صدام وانقسام العراق، وانقسام السودان، والدعم الأمريكي للإخوان وصعودهم للسلطة، وتنبأ أيضًا بسقوط الإخوان ولكن الأعجب والأغرب كان تنبؤه بمصيره القاسي وهذا ما كان واضحًا في أكثر من موضع في كتاباته ومثال على ذلك ما كتبه في مقدمة كتابه الشهير «نكون أولا نكون»:

   إهداء
إهداء إلى زملاء ولدي الصغير أحمد، الذين رفضوا حضور عيد ميلاده، تصديقًا لمقولة آبائهم عني… إليهم حين يكبرون، ويقرؤون، ويدركون أنني دافعت عنهم وعن مستقبلهم وأن ما فعلوه كان أقسى عليّ من رصاص جيل آبائهم.

كانت هذه الكلمات إهداء شهيد الكلمة إلينا نحن أبناء هذا الجيل فهل وصلت الرسالة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد