من المستحيل فصل التجربة الحياتية عن أعمال هذا الشخص الاستثنائي؛ فلوحاتها هى سيرة حياتها؛ إذ اتسمت حياة فريدا كاهلو بمعاناة جسدية ونفسية هائلة، جعلتها تختبر تجربة إنسانية مكثفة غير عادية وغير قابلة للتكرار؛ فخرجت أعمالها صادقة تكشف عن ردها النفسي للمحن الشخصية.
فعندما كانت في السادسة من عمرها أصيبت بشلل الأطفال، الذي تركها بقدم يمنى مشوهة؛ مما جعلها تتعرف بالفعل إلى قسوة الحياة، الأمر الذي أدى إلى تقويض جسدها ومشيها المتعرج. تعرضت للتنمر منذ صباها؛ فانشقت عن أقرانها الذين اعتادو الإشارة إليها باسم «فريدا ذات الساق الخشبية». أظهرت حس القتال، وتحدى الحياة منذ سن مبكرة للغاية، فعلى الرغم من إعاقتها – أو ربما لتعويضها- لعبت فريدا كرة القدم، والسباحة التنافسية، كما أدت الألعاب البهلوانية على الزلاجات والدراجات؛ لتثبت عدم عجزها.

ما كادت فريدا أن تتخطى طفولة مليئة بالآلام الجسدية والإقصاء، حتى وقعت ضحية لحادث خطير للغاية، في الثامنة عشرة من عمرها، إذ اصطدمت الحافلة التي كانت تقلها بالترام؛ مما تسبب في اختراق «الدرابزين» جسد فريدا، ساحقًا العديد من العظام، مسببًا كسورًا خطيرة في فقرات الظهر، والحوض، والقدم اليمنى، بالإضافة إلى جرح عميق في البطن، أدى إلى استحالة اكتمال ثلاث تجارب حمل في المستقبل.
ظلت فريدا مجبرة على الجمود في السرير، وارتداء دعامات من الجبس في كل أنحاء جسدها لمدة عام تقريبًا، كما اضطرت إلى الخضوع لـ٣٢ عملية جراحية على مر السنين؛ لتصحيح مسار العظام، ولترميم الكسور، لم تجلب سوى التخفيف المؤقت للألم، بل ظلت تعاني من الآلام الشديدة في كل أنحاء جسدها، رافقتها طيلة حياتها تقريبًا.

كانت أكبر هواجس فريدا هو عجزها عن إنجاب الأطفال، وبالفعل لم تستطع، فكلما أصبحت حاملًا لم يستطع جسدها – بسبب الكسور وجروح البطن- تحمل الحمل؛ مما يتسبب في حدوث الإجهاض، إما بدون إرادة منها، وإما بضغط من الطبيب للإبقاء على حياتها.

في خلال العقد الأخير من حياتها، تحملت فريدا عمليات مؤلمة في ظهرها وقدميها وساقها، وفي عام ١٩٥٣ كان يجب بتر ساقها اليمنى؛ بسبب الجروح التي لم تتعاف والغرغرينا، مما جعلها تعاقر الخمر بكثافة، وتدمن مسكنات الألم حتى – عن عمر ينهاز ٤٧ عامًا- توفيت فريدا بسبب انسداد رئوي، على الرغم من أن بعضهم يشتبه في الانتحار.

بجسد هش وروح لا تقهر، تعايشت فريدا مع الإحساس بالألم، ولكن برغبة هائلة في المضي قدمًا، فكان الفن في حياة فريدا هو نافذة المواساة الوحيدة في عالم من المعاناة والأوجاع.

تميز أسلوب فريدا كاهلو بأنه رمزي ذاتي للغاية، ذو نبرة طفولية متعمدة في التجسيد، إذ جسدت الكيانات بأسلوب غالبًا ما يكون ساذجًا عن قصد، عبرت من خلاله عن أعمق مشاعرها وعواطفها. اتسمت أعمالها بالبساطة التعبيرية، والسهولة الممتنعة، والتناسق المتوازن معًا. كما كانت تغطي اللوحة بالكامل بالعلامات والرموز، والألوان والظلال المتقنة الرائعة. كان أسلوبها يعبر عنها، وعن آلامها، أظهرت فيه مكنونات نفسها بدرجة من الاستبطان لم نرها منذ لوحات فان جوخ. كانت ممزقة بين كلا الثقافتين: المكسيكية الشعبية، والحداثة الأمريكية؛ فظهرت في أعمالها رواسب من كلا الثقافتين.

إن العنصرين الأساسيين في أعمال فريدا هما: معاناتها الحياتية وآلامها الجسدية والنفسية، والرابطة القوية مع الوطن «المكسيك». إذ حرصت فريدا على تأكيد هويتها المكسيكية، وتعزيز الثقافة المكسيكية بأعمالها ولوحاتها، بل تبنت هيئة شخصية مقتبسة من الأزياء المكسيكية التقليدية. حافظت على أسلوب رسم يقترض تميزه من الأشكال المكسيكية التقليدية، ويعكس صورًا من الإلهام الشعبي.

بين السريالية والرمزية

«ظنوا أنني أنتمي إلى السريالية، ولكني لم أكن كذلك، كنت دائمًا ما أرسم واقعي وليس أحلامي» – فريدا
تميزت أعمال فريدا كاهلو ببصمة سريالية مختلفة عن كل أنماط السريالية في ذلك الحين، فجاءت أعمالها رمزية للغاية ذات سمات تشبه الحلم، وغير تقليدية؛ على الرغم من ذلك، رفضت فريدا تصنيفها فنانة سريالية، موضحة كيف أن نغماتها الخيالية والرمزية ليست إلا تجسيدات صادقة تعكس آلامها الذاتية، وشغفها بالوطن، وقلبها المعذب بحب ديجو ريڤيرا.

ديجو ريڤيرا

«عانيت من حادثين خطرين في حياتي… الأول عندما جرفني الترام، والثاني كان ديجو ريفيرا» – فريدا
ظل عمل فريدا مختبئًا في ظل الشهير ديجو ريڤيرا؛ إذ تتشابك حياة الرسامة المكسيكية وفنها تشابكًا لا ينفصم مع ديجو ريفيرا مرشدها وزوجها، وأكبر تأثير فني لها، حتى جاءت خيانة ديجو لفريدا مع أختها كريستينا كاهلو، التي كسرت قلبها بشدة، وتركتها مع آلام نفسية لا تشفى.

استراتيجيات فريدا اللونية

تعلمت فريدا كيفية سرد قصة بالطلاء، إذ أذابت آلامها في زوبعة من الألوان القوية والأشكال الصارخة، التي تعكس معاناة وتمسكًا عنيدًا بالحياة. استخدمت بالتة ألوان دافئة كثيفة مجتمعة بلا خوف، كما حافظت على تناغم اللون ورونقه، فأظهرت تعلقًا باللون الأحمر، الذي يشير إلى لون الدم والموت والألم، كما نلاحظ إحدى النغمات المتكررة في أعمال فريدا، وهي الكوبالت الأزرق، الذي يرمز إلى الحب والنقاء، كما جمعت بين العديد من المتلازمات اللونية لترسيب حس معين لدى المشاهد، فالأبيض والأرجواني لمظهر براق، الكوبالت الأزرق والأرجواني لجذب الأضداد، الأخضر والأصفر كما تجتمع الشمس بالمروج، بينما الأسود والأصفر لزيادة السطوع.
كانت مولعة برسم الزهور البرية، والفراشات، وأزهار عباد الشمس، والثمار؛ لإضافة نكهات لونية متعددة، كما نجد حضورًا متكررًا للحيوانات الاستوائية، مثل: القرود، والطيور الطنانة برفقتها في صورها الذاتية.

«أرسم صورًا ذاتية لأنني غالبًا ما أكون وحدي؛ لأننى الشخص الذي أعرفه جيدًا» – فريدا
كان التمثيل الذاتي محور سردها الفني؛ فأكثر من نصف إنتاجها الفني من الصور الذاتية. في الوقت الذي كان فيه معاصروها في المكسيك يرسمون جداريات ضخمة تصور النضالات الشعبية، والمعاناة النبيلة للفقراء والمضطهدين، اختارت فريدا مسارًا أكثر حميمية، إذ تعلمت كيف تنقل آلام الحياة إلى الفن؛ فكانت أعمالها لا تكشف بها عن نفسها فقط، ولكن تبدو مثل صراخ يكشف عن وجودها وآلامها.
في البداية كانت لوحاتها واقعية، وعادة ما تسكنها تجسيدات العائلة والأصدقاء، لكن مع مرور الوقت وتضاعف الألم جسدت لوحاتها العذاب الجسدي والنفسي خلال حياتها القصيرة المكثفة، بعضهم اتهمها بالنرجسية لكثافة تجسيداتها الذاتية، لكن كل ما كانت تنشده فريدا هو تمثيل ألمها الداخلي الهائل.

تحليل لوحة «الفريدتين» 1939

الانطباع الأول الذي يصلنا من هذا العمل هو حالة من الألم الشديد، الذي اختبرته فريدا بسبب معاناة الطلاق والشعور بالوحدة والانفصال، بعد خيانة ديجو ريفيرا لها. بهذا العمل تحاول فريدا استيعاب أزمتها العاطفية، والتعبير عن الألم العميق والإجهاد الداخلي الذي شعرت به بسبب نهاية علاقة معقدة، مليئة بالاضطرابات والجروح العاطفية.

فعلى اليسار نجد تجسيدًا لفريدا ترتدي ثوبًا أبيض بأسلوب غربي كامل، بينما على اليمين ترتدي فريدا فستانًا مكسيكيًّا تقليديًّا. ترمز فريدا الأولى إلى المرأة التي تركها زوجها ديجو ريفيرا، والثانية فريدا التي أحبها زوجها، يجلسان بعضهما بجانب بعض، ولكن لا يوجد أي اتصال بينهما، لفظي أو بصري، ويتمثل الاتحاد المادي الوحيد بينهما من خلال الأيدى المعقوفة. يظهر على كلتا الفريديتين القلبان مكشوفان، يتصلان معًا عن طريق الوريد، على اليمين نجد القلب الأحمر لامعًا مشرقًا محتفظًا بهيئته الكاملة، وهو قلب فريدا منعمًا بحب ديجو ريفيرا، بينما على النقيض نجد القلب على اليسار، محرومًا من حب ديجو ريفيرا نازفًا متألمًا لما أصابه، من جراء هذا الحب المضطرب.
تمتلك العناصر الرمزية غالبًا طبقات متعددة من المعنى في صور فريدا، إذ يمثل النزيف معاناة داخلية وجسدية عميقة. نجد فريدا باللون الأبيض تحمل مقصًّا في يديها يرمز إلى الرغبة في قطع هذا الحب المضطرب وإنهائه، بينما فريدا الأخرى تحمل صورة ديجو طفلًا لترمز إلى التمسك بهذا الحب النقي والارتباط العاطفي الكبير بينهما. تأتي الأيادي المعقوفة رمزية إلى ازدواجية شخصيتين تعايشتا داخل الجسد المعذب نفسه. فريدا ذات الزي الأوروبي هي رمز للتحرر من الألم، كما تعبر عن انفصالها عن كلا الحبيبين، «الوطن المكسيك»، و«ديجو ريفيرا».

أما فيما يتعلق بالتكوين، نجد كيانين منقسمين متباينين في الإحساس، لكنهما متحدان في الوقت نفسه، تشغل كل فريدا منهما نصف العمل الفني تمامًا؛ فهي لا ترجح آلام الحاضر على الماضي، بل جسدت الحالتين بإنصاف. وعلى الرغم من اتحاد اليدين في مركز العمل، فإننا نجد التركيز البصري يتجه لكل من الأضداد (الفريدتين)، وإظهار التناقض. أما الخلفية فهي السحب الغائمة المضطربة، تعكس حالة القلق والاضطراب لذات فريدا الداخلية.

كما لا تتخلى فريدا عن القيم اللونية في أعمالها، إذ استخدمت اللون لإحداث تباين بين كلا الفريدتين؛ فالملابس البيضاء في تجسيد الهيئة الأوروبية المنمقة، بينما الملابس الملونة ذات الألوان الدافئة تقترن بالفلكلور المكسيكي، وهي الملابس التي كان يفضلها ديجو ريفيرا وارتدتها إرضاءً له. كما استخدمت الزي الأبيض لتوضح التباين بينه وبين الدماء السائلة؛ للتعبير عن وقع الألم على قلب مسالم. نجد الأحمر لون العاطفة والحيوية، ولكنه أيضًا رمز الألم والدم، ويشف عن معاناة داخلية كبيرة.

تعتمد اللوحة على القراءة الزمنية؛ حيث على اليمين فريدا قبل خيانة ديجو لها، بينما على اليسار فريدا بعد خيانته لها بقلب مكسور ومحطم؛ فنجد في اللوحة اتحادًا بين الماضي والحاضر يربطهما معًا إحساس الألم الذي اختبرته فريدا فعلًا.

هذا ما فعلته فريدا خلال حياتها، عبرت عن آلامها الجسدية والعاطفية من خلال الفن، وكانت قادرة على إعطاء الحياة لمشاعرها. كانت نموذجًا لامرأة عظيمة لأنها – على الرغم من اختبارها للكثير- كانت تعرف كيف تعيش حياة كاملة دون قيود، وقبل كل شيء، دون أن تحمل أي ضغائن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد