صديقي من التجمع الخامس، إنه لشيء محرج في عالمنا، أتعرف لماذا؟! لأنه من ذلك المكان الفقير الموبوء متدني الثقافة والعلم والرقي، أصحاب السراويل المُقطعة من الركبتين والفخذ، لكنه طيب وأنا أحبه منذ ما جاء يدرس في قريتنا الهندسة في جامعة الإبراهيمية.

و أخته كذلك التي تتشابه معه في السروايل المقطوعة من الركبتين لكنها تختلف عنه بوضع حلق صغير في أنفها وقص شعرها لتصبح أشبه بالرجال، لكن أكثر ما يضايقني منها – تلقائيًا دون قصد – هي تلك اللهجة القاهرية اللزجة المتدنية في ألفاظها ومعانيها، تحاول كثيرًا أن تقلد اللهجة الفلاحي العريقة حتى تندمج مع زميلاتها في الكلية لكنها تفشل غالبًا.

كنت قد وصلت مبكرًا قبل صديقي هذا، و(جلاليبنا) دائمًا ما تكون نظيفة ناصعة البياض جاهزة للارتداء، عكس السروال الجينز والتيشيرت، وقفتُ مع بعض الزملاء تمشية للوقت، فكان الحديث – كالعادة – والنقد اللاذع لكل ما هو قاهري حتى أصبحت كلمة قاهري أو من المدن سُبة لأي شخص .

قال إسماعيل – المتباهي دائمًا بمعلوماته – زاعمًا في صوته بعض الوقار «أتعرفون لِمَ هم يلبسون البناطيل المُقطعة» رأى في أعيننا انتظارًا للإجابة فأكمل «لأن الله غاضب عليهم فهم كانوا يسخرون منا في زمن حظوتهم للسلطة والاقتصاد فألبسهم الله لباس المشردين والشحاذين».

هراء كالعادة، محورة الكون حول الذات، والقبلية وكأن كل شيء يحدث يحدث لأجل مصلحتك فقط، لكني كنت أسمع عن الفترة التي كانوا يسخرون فيها منا، أما الآن فقد اكتشفت مصر خطأها وعلمت أن الزارعة أساس بنائها على مر التاريخ، لذلك فالحظوة والعلم والثقافة في أيدينا، وتلك المدن التي لا تعتمد على الزراعة بشكل شبه كامل مثل القاهرة تجدها مفتقرة إلى ذلك.

ها هو صديقي قادم هناك مُطرق الرأس في حالة ذعر دائمًا، يخاف على كرامته مثلما يخاف القط على أبنائه من أي اقتراب كائن كان، لعله يوم ما يصبح منا ولا تجد السخرية له طريق.

في هذه القصة القصيرة أستعرض فكرة كثيرًا ما راودتني على غرار «ماذا لو؟»

ماذا لو كان الفلاحون هم من يملكون الاقتصاد والسلطة والثقافة والعلم، هل ستكون مرادفات ذكرهم مثل الآن إشارة إلى التدني والجهل – وهذا ليس رأيي وليس في نظر الجميع –، وماذا عن الآخرين المدنين الذين يملكون هذه الأشياء الآن كيف سيكون حالهم، وهم يحلمون بالذهاب للريف ليكونوا في مكان أعلى منزلة ليتلقوا العلم والثقافة ويحققوا أحلام النجاح والثراء هناك.

في المسلسل الديستوبي الرائع «the man in the high castle»

الذي يتخيل انتصار دول المحور –ألمانيا واليابان– في الحرب العالمية الثانية، وتقسيم الولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة نفوذ نازي ونفوذ ياباني ومنطقة محايدة، نرى هنا كيف تأثر الشعب الأمريكي بالثقافتين –النازية واليابانية– تأثرًا واضحًا، وانتشار الأفكار والعادات وحتى الرياضات في كلا الشعبين حسب طبيعة المُحتل، الكل يريد أن تسود ثقافته العالم لأنه يراها الأصلح.
هذا التخيل بديع في قلب الأمور، تلك الثقافة الأمريكية التي تحكم العالم وتسوقه بما تريد يُتحكم بها وتتشكل على رؤية المُحتل.

عودة للواقع

هناك من يتلذذون بتحقير غيرهم والحط من قدرهم لأنهم لم يحظوا بالفرصة التي أتيحت لهم أو لمجرد أنهم هم، هناك تلك الاتهامات الجاهزة لمن يبدر منه عدم الفهم أو المواكبة لما هو جديد «أنت فلاح» «كفاة فلح».

في كل صيف، هناك الشجار السرمدي بين الفلاحين القادمين من الريف وبين سكان الإسكندرية الذين يرون أن بلدهم تلوث وتصبح مقلب قمامة كبير بسبب أفعال الوافدين إليها، لو كان الأمر عدم تفاهم وقبول فيجب أن نقترب ونفهم وجهات نظر وثقافة بعضنا، أما لو كان الأمر يشوبه بعض مظاهر الجهل أو التدني عند أي طرف فيجب أن يقوم الشخص الراقي بمساعدة الآخر، منطقة المياه الممتلئة تملأ منطقة المياه القليلة، هذا قانون الطبيعة الذي يجب أن يسير عليه البشر .

نسيج واحد

في الفيلم التسجيلي القصير الرائع «نسيجب واحد» لـنادر صلاح الدين، يصور مجموعة مختلفة من المصريين، مسلم، ومسيحي، وصعيدي، وفلاح، وقاهري، وسكندري، ونوبي، يتحدث الجميع في البداية عن أننا كلنا واحد ولا خلاف بيننا، ولكن حين يطول الحديث ويتعمق أكثر تجد العنصرية وتفوق الجنس الآري –ما رآه النازيين في أنفسهم– ينضح بقوة، هم ونحن (تتبلور) في الداخل كلما تعمقت في نفوسهم.

إن العنصرية بين فئات البلد الواحد أمر نحاول إخفاءه دائمًا، لا مشكلة كل شيء كامل ومتجانس،لكن علينا أن نملك بعض الصدق مع أنفسنا قليلًا، إنها القاعدة الإنسانية التي مل التاريخ من تكرارها «الاعتراف بالمشكلة أول طريق الحل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد