ينشأ كل إنسان منّا ويترعرع في حيز منفصل، فيكتسب من صفات ذلك الحيز وينهل من عادات المجتمع، وتتغير فطرته تباعًا، فيظهر المجتمع في صورة المؤثر العام، لكن الغريب أننا ورغم التأثر بالمجتمع إلا أننا قد نجد شخصين قد ينشآن في نفس المجتمع يتفاضلان في السمات الشخصية والأسلوب والهوايات، فلا يمكن حينها أن نعمم قاعدة التأثر بالمجتمع.

من نفس هذا المنطلق يمكن القول أنه لو سافر من قد تربا ونشأ في أي من مجتمعات الشرق الأوسط أو أفريقيا إلى البلدان الأسيوية سينبهر بما يسمع وما تقع عليه عيناه. ليس لأنه قد خرج من مجتمع محافظ في السلوك والعادات والتقاليد، وإنما لأنه يرى أن تلك الأمم قد فعلت في نفس الفترة من الزمن التي كنا نحن نتصارع فيها ما لم نلتفت نحن إليه رغم توافر الإمكانيات والأموال والموارد لدينا بصورة أكبر من كل ما قد حازوه هم مجتمعين. فينجذب للبنايات الشاهقة والحدائق الجميلة والطرق النظيفة والحياة الآمنة، للطاقة الموجهة نحو العمل، والعمل وفق جداول محددة، يدهشه تقدير الوقت وانتهاز الفرص والإقبال على الحياة، يأسره تقدير الكبار والحنو على الصغار والتعامل بلباقة نفتقدها نحن في الآونة الأخيرة، يلتفت للتهذيب والمعاملة بلطف واحترام القوانين وغيرها الكثير.

ليشعر حينها بأن هذا الذي يراه ما هو إلا جمالاً يشعره بالفقد، فيلحظ حينها أن بدولته أو مملكته أو أرضه التي خرج منها وزارة للبيئة أيضًا لكن لماذا توجد العوادم والهواء غير النظيف والقمامة المتراكمة هنا وهناك؟

يتبادر إلى ذهنه أن لديه مدارس وجامعات ووزارات وحكومة ومنظمات وهيئات وكل ما لديهم أيضًا لكن أين العائد من كل ذلك مقارنة بما يرى؟

يرى وزيرًا قد جاوز العشرين من عمره بقليل فيتذكر عجائز الكراسي في بلاده ويشك في قدرات نفسه ويشعر بالانهزام.

الغريب في الأمر أنه يلحظ أن تلك المجتمعات تفتقد الكثير أيضًا لكنه فقد بتفاضل وتفاوت «فلا شيء كامل»، فهم يفتقدون لقدرة تعينهم أكثر على العمل، أما في الهند أو إندونيسيا أو بلدان الشرق الأوسط فهم يفقتدون للعمل ذاته رغم ما بهم من قوة. فيكون الناتج شيوع البطالة والجرائم وفقدان الأمن.

يرى كثرة الأموال في أعمالهم ورغم ذلك ليس للأطفال منها نصيب، لأن الطفل في الصين مثلاً لا حاجة له بالمال ما دام في كنف والديه، يطلب هو فتلبى مطالبه بعد النظر في أهميتها، أما في الشرق الأوسط ومع قلة الناتج إلا أن الأطفال يلعبون بالأموال ويحملونها دون حاجة، فتزيد الأخطاء ويفسد السلوك لأن دور الرقيب قد تقلص، ويتلاشى الوئام والاحترام والترابط.

يفتقدون للاطمئنان الطبيعي الذي يحميهم من الكوارث والزلازل، لكن الفقد في بلداننا يكون فقدًا للثقة فيما أوتوا وتقدير النعم.

لم يقل أهل آسيا إننا لن نبني أو نشيد الأجمل والأحدث بسبب الزلازل والكوارث.

ولم يقل أهل روسيا أن البرد قارس اليوم فلن نلقي بالقمامة في أماكنها المخصصة وسنتركها عند الباب.

لم يقل أهل إندونيسيا أو ماليزيا من سيلتفت إلينا إن فعلنا أو لا؟ فلا حاجة للنزاهة ولا التنظيف ولا التعاون والحث على السلوك الحسن.

لم يقل أهل تايلاند أننا لن نعمل على تدوير البلاستيك أو الاستفادة من القمامة واستيرادها حتى لا نشتهر بذلك بين البلدان.

لكن انعدام تقدير الوقت في المجتمعات الشرق أوسطية هو ما يلجأ كل إنسان لطول الأمد فلا يفعل اليوم ما توجب فعله بالأمس. ليصاب بعدها بالإحباط والانهزامية والتواكل على المؤسسات لتتم له ما توجب عليه أن يفعله بنفسه. ثم يسود مثل ذلك في المجتمع مع تغير الأجيال، فيحبن الدور على هؤلاء الشباب الذين تعودوا إضاعة الوقت وتفويت الفرص والاستكانة والتواكل لإدارة الأمور وإدارة مؤسسة ما. ليأتي السؤال الأبدي: كيف لمثل هذا الشخص أن يصل بالمؤسسة للنجاح؟ إن كان لم ينجح بذاته أو يعودها الالتزام، فأنى له أن يتحمل مثل ذلك من مسؤولية؟

والحقيقة أن هذه الطريقة في التعامل تنتج أولاً من انعدام الضمير الشخصي، لأن الإنسان إن صلح بنفسه من الممكن وضعه في أي مكان دون الخوف عليه، أو تذبذب الثقة فيما يقوم به أو فيما ينتج عنه. فبناء الشخص أولى وأهم من بناء أي شيء آخر، والمجتمع نتاج الأشخاص وعاداتهم وليس العكس، والإنسان هو النبتة الأساسية التي إن صلحت صلح معها وبها كل شيء، ولا يصلح ذلك إلا بالعلم والضمير. فلو صلح الضمير ما وصلنا للانبهار بحال الآخرين.

 قاوم نفسك فهي تحب الراحة، أما أنت فسُلفة أيامك التي منّ الله علينا بها ينقضي جزء منها في كل لحظة تريح فيها تلك النفس، فعاندها وجاهدها وانتهز بها كل ما وصل إليك، وابحث واستغل فضولك في كل ما لم يصلك بعد. كن على استعداد لكل ما سيأتيك من مسؤوليات بضمير صالح وشخصية ملتزمة.

لأن الضمير هو أساس الصلاح، وأبواب النجاح وإن كانت ألفًا فأولها الالتزام.

دمتم بخير الله وأمانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد