إن تزايد الانتشار والنفوذ الذي تشهده الأصولية الجهادية كأيديولوجيا متطرفة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وتحولها إلى حركات إرهابية عالمية قابلة للتوظيف والاستثمار السياسي كالقاعدة وداعش، أدى بالضرورة إلى نشوء الإسلاموفوبيا باعتبارها ظاهرة عدائية ضد الإسلام باعتباره نظرية، والمسلمين بوصفهم تجليات لممارساته، في العالم الغربي، والتي شكلت فيما بعد جزءًا لا يتجزأ من البرنامج السياسي والاجتماعي لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، أو ما يسمى بالفاشستيين الجدد.

 ولدى الحديث عن الأصولية الجهادية، وفي إطار محاولة لتحليل وفهم هذه الظاهرة بعمق، لا بد لنا من الغوص في تجارب تاريخية شديدة التطرف، سبقت نشوء النموذج الجهادي، واعتمدت في تشكيل رؤيتها على مرتكزات ومبادئ يمكن وصفها بالأصولية، كان قد شهدها العالم الغربي مع صعود الفاشستية بنسختيها الإيطالية بقيادة موسوليني، والألمانية النازية بقيادة هتلر بعد الحرب العالمية الأولى.

ومن خلال النظر لكل من الأصولية الجهادية والفاشستية نجد تشابها كبيرًا في ظروف النشأة والبنية الأيديولوجية لكل منهما، فقد نشأت الفاشستية بعد الحرب العالمية الأولى، أي بعد الخسارة التي مُني الإيطاليون والألمان بها آنذاك، والتي ولدت شعورًا بالذل القومي والرغبة برد الاعتبار لدى الجماهير، بالتوازي مع كون جملة الأفكار الديمقراطية غير راسخة وعميقة في المجتمعات الأوربية في تلك الفترة، كما هو عليه الحال اليوم. ولقد عملت كل تلك العوامل والظروف مجتمعة على هندسة صعود الفاشستيين تدريجيًا، كقوة ذات قواعد اجتماعية وقوة عسكرية وبرنامج سياسي.

 وعلى الجانب الآخر نجد أن الأصولية الجهادية نشأت في ظروف مشابهة تمامًا، في مجتمعات مُسلمَة محبطة ومثقلة بالذل والهوان إثر الهزائم والخسائر المتتالية التي بدأت بسقوط الخلافة مرورًا بنشوء الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948 ثم الخسائر التي منيت بها الجيوش العربية في حربي عام 1956 و1967 ، قبل أن توقع بعض الدول العربية اتفاقيات سلام مع إسرائيل، استفزت بدورها الشعور الديني لدى فئات واسعة من المجتمعات العربية. في تلك الفترة أيضًا، وبالتزامن مع فشل القومية الاشتراكية في الوطن العربي بتحقيق أحلام الوحدة العربية أو استعادة الرد ضد الكيان الصهيوني، فإن الأنظمة العربية الاستبدادية التي صعدت إلى الحكم في تلك الفترة، معتمدة على مجموعة من الانقلابات العسكرية والقمع لمختلف التيارات السياسية، لا سيما الإسلامية المعتدلة منها، ساهمت بشكل كبير في تمهيد الأرضية لتشكيل الموقف الأصولي ونمو مبادئ الجهادية وتطورها.

ولا تقتصر التشابهات بين الفاشستية والجهادية على ظروف النشأة فقط، وإنما تمتد لنراها موجودة في البنية الخطابية اللاعقلانية لكل منهما، والتي تركز بشكل جوهري على العوامل السيكولوجية، لإذكاء الشعور بالعداء، مستخدمة خطابًا تعبويًا يستندُ إلى الشحن العاطفي في حشد الأتباع، والتذكير بالمظلومية والقهر المُهيمن عليهم.

وفي الوقت الذي كانت تتبنى فيه النازية تفوق وسيادة العرق الآري على باقي الأعراق، وتصور الكون على أنه تاريخ النزاع بين الألمان واليهود، فإن الأصولية الجهادية تبنت أفكارًا مشابهة لما يمكن إسناده إلى مبدأ العرق الصافي، والذي مثّل شكلًا عنيفًا ومتطرفًا من أشكال «الفرقة الناجية» التي تدعي امتلاك الحكمة الدينية والمنهج الحق، بالتوازي مع تصوير العالم على أنه تاريخ الصراع بين المؤمن الجهادي والكافر بالدرجة الأولى، وما سواه فيما بعد في درجات أدنى.

وباعتبار أن الأيديولوجيتين الفاشستية والأصولية الجهادية رجعيتان في جوهرهما، فإن هذا يجعلها يشتركان في العداء الكلي للحداثة والميل إلى استحضار صور تاريخية من ذاكرة المجتمعات كالامبراطورية الرومانية والحياة التقليدية القديمة بالنسبة للفاشستيين، والفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية بالنسبة للجهاديين، في سياق مغالطات منطقية وإسقاطات لاعقلانية على الواقع.

وتتجلى أبرز مواطن اللاعقلانية عند الطرفين في عدائهم لكل الاتجاهات الفكرية الأخرى، فالفاشستيون مثلا يعادون الشيوعية والليبرالية والمحافظة والرأسمالية، والجهاديون بدورهم يعادون العلمانية بالتوازي مع معاداتهم الإسلام السياسي، وهذا ما يجعلُ كليهما يقتربُ من العدمية. وعلى عكس الشائع في كل المعتقدات الدينية والأخلاقية والتي تركز في مجملها على التراحم والتسامح والود بين البشر، فإن الفاشستية والأصولية الجهادية تتبنى نوعًا آخرَ من القيم، كالولاء المطلق للجماعة والتضحية بالذات، حيث تذوب وتتلاشى الهوية الفردية في الجماعة، وهو ما يدفع الأفراد إلى الموت أو الانتحار من أجلها، دونما أي اعتبار آخر لغير الجماعة.

وهكذا فإننا نلاحظ أن كلا الفريقين يحملون نظرة سوداوية للوجود، ويسعون في تحركاتهم نحو الموت بدلًا من سعيهم الحياة، معتبرين أن الحرب هي الحل الطبيعي والوحيد للتدافع الحضاري، وأن الحرب أمر خيِّر في حد ذاته، وقد تجلى ذلك بوضوح بمبادئ موسليني زعيم إيطاليا بقوله: «الحرب للرجال كالأمومة للنساء»، وهو سعيٌ يظهرُ كذلك بوضوح، في أدبيات الجهاديين وشعاراتهم وأناشيدهم، وعملياتهم الانتحارية في شتى بقاع الأرض، طارحًا تساؤلات حول أبرز خصائصهم الفكرية التي ساعدت في إكسابهم نمطًا ثابتًا من الأيديولوجيا والتكتيكات، لم يتغير على طول خط الهزائم التي منيوا بها. بدءًا من أفغانستان ومرورًا بالشيشان والعراق وسوريا ومناطق أخرى من العالم.

 فقد حافظت الأصولية الجهادية على نفس منطقها وتكتيكاتها في مواجهة العالم، فوضعت معايير خاصة للنصر والهزيمة، وجعلت الهزيمة مقرونة بتخليها عن المبادئ الأصولية، وليس الخسارة المعروفة بالأرواح والعتاد والجغرافيا المعتادة، كما نلاحظ هذا الثبات في النمط الأيديولوجي والتكتيكي عند النازيين أيضًا، وهو ما دفعهم للاستمرار بالتمسك بمبادئهم النازية والتوسعية حتى هزيمتهم في معركة بارباروس أمام الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي دفع هتلر للانتحار بعد أن أعطى أوامر بالقتال حتى الموت، رافضًا بذلك واقع الهزيمة التي لحقت به.

وتعتبر نهاية الحرب العالمية الثانية نقطة فاصلة في التاريخ الأوربي وطيًا لحقبة الفاشستية، وعلى الرغم من صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة أو ما يطلق عليه الفاشستية الجديدة في أوقات لاحقة وصولًا إلى يومنا الحالي، إلا أن ما يميز هذه النسخة من الفاشستية كونها تنشط في ظل نظم الديمقراطية الليبرالية السائدة بعمق في المجتمعات الأوربية، وحتى لو كان قبول الفاشستيين الجدد بها تكتيكًا براغماتيًا لمجاراة الواقع، إلا أن الفاشستية الحالية تمثل وجهًا أقل تطرفًا.

 وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الظروف التي أنتجت الفاشستية التقليدية كانت مخصوصة في حقبة تاريخية رافقتها ظروفٌ استثنائية، ولت إلى غير رجعة، في حين يبقى الغموض يكتنف التصورات عن مستقبل الأصولية الجهادية، إلا أن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في ظل أنظمة دكتاتورية سلطوية تغذي الشعور بالقهر لدى المجتمعات، فإنه يمكننا القول ولن نكون مخطئين على الأرجح، أن التربة الخصبة والراعية لنمو مثل تلك التنظيمات لا تزال موجودة، وبقوة.

ومن جهة أخرى، فإن كل التجارب الفاشلة التي خاضتها الأصولية الجهادية بمنهجها اللاعقلاني في مواجهة الواقع والإخفاقات والمصائب التي تسببت بها، قادتها بالفعل إلى طريق مسدود، لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا ومفتوح الرهان، هل تمضي عجلة التاريخ وينتهي الأمر بالأصولية الجهادية للأفول على غرار ما حصل بالفاشستية؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد