إذا كنت ممن جعلوا القراءة دُرجةً لهم، وممن يلوذون بباحات المكتبات وأروقتها بحثًا في خمائل الثقافة عن أفياء الكتب. فحتمًا ستكون لديك رغبة عارمة في هضم عدد أكبر من الكتب في فترة وجيزة، وحتمًا يسوؤك أن تقضي في الكتاب الواحد أسبوعًا أو أكثر قبل أن تفرغ منه لتتلقف غيره مع ضيق وقتك، وإيقاع حياتك المتسارع، في خضم أولوياتك الأخرى بكل زخمها وفوضويتها.

دعني أُقدم لك الحل ممثلًا في تقنيات القراءة السريعة، وبعد معرفتها ما عليك سوى أن تعتمد على جهدك الذاتي، فتشحذ لأجل إتقانها الهمة، وتشمّر لبلوغها ساعد الدُربة. وستحصد ثمرة جهدك في فترة تتراوح بين الثلاثة والستة أسابيع مع المران اليومي، ستبدو لك التجربة عند التطبيق مرهقة في البداية، قد ينتابك صداع وإجهاد ذهني، وقراءة تقطع أشواط الكتاب مع ضعف في الاستيعاب والفهم، ولكنها أعراض لن تلبث أن تخف حدتها بعد ثلاثة أيام أو أكثر، لتجد أنك صرت تقرأ أسرع مع استيعاب ما تقرأه.

يقرأ أغلب الناس بسرعة بطيئة أو متوسطة يتراوح معدلها من 200 إلى 400 كلمة في الدقيقة، تهدف تقنيات القراءة السريعة إلى زيادة السرعة 500% وهي تعادل حوالي ألف كلمة في الدقيقة كحد أدنى، وهناك من يتجاوز هذه النسبة. لتبدأ أولًا بتحديد سرعتك الحالية على ضوء المعادلة:

«عدد الكلمات في الدقيقة» يساوي «عدد كلمات السطر» ضرب «عدد الأسطر في الصفحة» ضرب «عدد الصفحات التي قرأتها» وتقسم الناتج على «زمن القراءة بالدقائق»، ثم دونها لتعرف الفارق الهائل بين السرعة السلحفائية التي كنت تقرأ بها قبل أن تتقن تقنيات السرعة في أسابيع قليلة.

يعود سر بطء القراءة إلى عادة تعلمناها منذ تعلم الكتابة في الصغر، فإذا عدت بذاكرتك إلى مراتع طفولتك، ستلاحظ أنك تعلمت أحرف الهجاء بتلقينك أصواتها، ثم محاولة كتابتها، قبل أن تدرس نظم الحروف في كلمة وترديدها بصوتك مع أستاذ الفصل، ثم يأتي بعدها نظم الجمل وترديدها أيضًا، ومحاولاتك الأولى للقراءة مع النطق بالجمل. ثم مع إتقانك للقراءة تتخلى عن الترديد الشفاهي، ولكنك تظل مستخدمًا دون أن تشعر «القراءة الصوتية»، وهي الترديد الداخلي لما تقرأه، وتهدف تقنيات القراءة السريعة لتخليصك من هذه العادة التي تؤخر معدل القراءة بلا شك.

العادة الثانية التي تؤخر سرعة القراءة تتعلق بطريقة استخدامك لعينيك في القراءة، مثل الانتقال من آخر السطر إلى أول السطر التالي، والوقفات بين كل مجموعة كلمات في السطر الواحد للاستيعاب ثم المواصلة، وإن كان الوقت الذي تستغرقه هذه الممارسات أقل من ثانية، بحيث لا تحس به، ولكن بتجميع هذه الأجزاء من الثواني التي أهدرتها تلك الانتقالات والوقفات أثناء تصفح كتاب كامل ستجدها وقتًا ليس بالقليل. كما أن هناك من يكرر قراءة الكلمات التي قرأها، وربما يعود إليها بعد أن تجاوزها لإعادة الاستيعاب والربط بما يليها.

يكمن التخلص من هذه العادات بتطوير استخدام العينين أثناء القراءة، فالمقدرة الفعلية للعين على التقاط الكلمة تتجاوز التخيل، إذ إن العين تلتقط ثم تترجم الصورة التي التقطتها في المستقبلات البصرية بالشبكية، لترسل بعد ذلك إشارة عبر العصب البصري إلى الفص البصري في المخ، كل هذه العمليات تجري في جزء من 500 جزء من الثانية، أي إن قراءة 500 كلمة تستغرق ثانية واحدة، أي 30 ألف كلمة في الدقيقة، وهي سرعة لم يصل إليها أحد، ولكنني أوضح مقدرة العين الجبارة على القراءة، أما أقصى سرعة مسجلة فهي تقارب 4 آلاف كلمة في الدقيقة الواحدة.

تساعد تقنية الدليل البصري في تسريع القراءة، وهي أي أداة تضعها على الصفحة أسفل السطر المقروء أثناء القراءة، يمكنك استخدام قلم مثلًا، وهنا أنت لست بحاجة لتمريره بامتداد كل السطر بل تضع رأسه في منتصف السطر، فالقارئ السريع يركز على منتصف السطر، وذلك يرجع إلى مقدرة العين على التقاط خمس أو ست كلمات دفعة واحدة، واستخدامك للدليل البصري لمدة ساعة واحدة كافٍ جدًّا، إذ تستغني عنه لاحقًا بعد أن يعتاد عقلك على تقنية الالتقاط السريع. وبهذا تكون قد تخلصت من معيقات القراءة التي تطرقت لها سابقًا، بالإضافة إلى أن الدليل البصري يساهم في تقليل الجهد الذي تبذله العين، ويساعدك على التركيز، ويسرع القراءة مع زيادة مقدار الاستيعاب.

تهدف التقنية الثانية لتطوير القراءة بالعقل بشكل أساسي عن طريق تقوية الرؤية المحيطية والإدراك الدائري، ولفهم هذه التقنية فإليك معلومة أن التركيز الأمامي للرؤية يشكل 20% من النظام البصري/ العقلي، بينما التركيز الجانبي يستحوذ 80% من النظام. بمعنى أنك إذا وضعت رأس الدليل البصري على كلمة في وسط الصفحة وثبتّ بصرك عليها، فأنت قادر على قراءة الكلمات على جانبي وأعلى وأسفل الكلمة دون أن تحرك عينيك، وتهدف هذه التقنية لالتقاط فقرات كاملة، أي إنك تقرأ بعقلك، ولا تكون العينان بالنسبة لك سوى أداتك التي طورت استخدامها لتحقيق الاستفادة القصوى من مقدراتها التي كنت تهملها.

إن كنتُ قد أثرت اهتمامك وداعبت هذه المقدمة أوتار طموحك ورغبتك باكتنازها، فسأقترح عليك قراءة كتاب «القراءة السريعة» لتوني بوزان ترجمة مكتبة جرير يحوي بين دفتيه 348 صفحة.

وهو كتاب ماتع للغاية، ورد في ذيل مقدمته: «أنت الآن على وشك البدء في رحلة من أكثر رحلات حياتك امتاعًا، عليك فقط أن تقلب الصفحة لتبدأ الرحلة». وستجد به مجموعة من التقنيات المتقدمة التي ستجعل منك سوبر قارئ!

أو كتاب «القراء السريعة»، وهو مختصر من 91 صفحة فقط، تأليف بيتر شيفرد وجريجوري ميتشل، ترجمة أحمد هوشان.

وأخيرًا هناك قصة تستحق أن تروى عن البروفيسور «سي. لويل ليس» رئيس قسم الخطابة بجامعة «أوتاه» في خمسينات القرن الماضي مع طالبته إيفيلين وود، عندما سلمته دراسة بحثية من 80 صفحة، لتفاجأ أنه قرأها في 10 دقائق، ثم وضع عليها الدرجة وسلمها لها، وقد ذهلت إيفيلين عندما ناقشته في دراستها وتأكدت أنه قد قرأها فعلًا بمعدل 2500 كلمة في الدقيقة. فبدأت إيفيلين في دراسة هذا المجال، وأصبحت رائدة من رواد القراءة السريعة، وأسست معهدها الخاص لتدريس ما يتعلق بها من تقنيات ومهارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد