بدأ الاهتمام بالقراءة السريعة في بداية القرن السابع عشر بطريقة منهجية وموضوعية، وأسست مراكز للدراسات والأبحاث بغرض تطويرها، فمنذ أكثر 300 سنة لاحظ العالم الرياضي باسكال أن معدل الاستيعاب يقل أثناء القراءة البطيئة والسريعة معًا، لكن الخبراء أكدوا فيما بعد أن نسبة الاستيعاب يزداد مع زيادة سرعة القراءة بعد التدريب، ومن المعلوم  أن العقل البشري يمتلك قدرات هائلة لاستيعاب المعلومات، لكننا في العادة لا  نحسن استخدامها، إضافة أن العقل هو الذي يقرأ، وليس العين التي بواسطتها تتم عملية القراءة، وبإمكان أعيننا إذا ما إحسنا استخدامها – حسب قول المتخصصين في القراءة السريعة – قراءة حوالي 1000 كلمة في الدقيقة الواحدة، في حين يصل معدل قراءة الإنسان غير المتدرب في المتوسط إلى 200 كلمة في الدقيقة فقط! ونستطيع من خلال التدريب والتأهيل تجاوزها أضعافًا مضاعفة من خلال تعلم تقنيات القراءة السريعة.

لم تعد القراءة السريعة محل شك في الدول المتقدمة، وباتت من الأمور الاعتيادية إجراء مسابقات للقراءة السريعة على مستوى المدارس والجامعات والأقاليم، إضافة للمسابقات الدولية والعالمية؛ لأنها أصبحت ضرورة من ضروريات العصر المتسم بانفجار معلوماتي هائل، فالمعلومة بفعل الشبكة العنكبوتية تنتشر كالنار في الهشيم، ومتاح للجميع الحصول عليها، وبإمكاننا أيضًا تحليلها وتطويرها، ووتشير التوقعات المستقبلية إلى أن نصف العاملين في الكوكب سيتحول عملهم في القريب العاجل إلى جمع وتخزين للمعلومات نظرًا لتضاعفها لذا أصبح من الضروري تبديل المناهج الدراسية كل خمس سنوات على أقل تقدير لمواكبة العصر الموسوم بالسرعة، فالطالب المتخصص في مجال ما سيتفاجأ في سنة تخرجه بتغيرات قد تكون جذرية في مجاله! لهذا أصبح من الضروري عليه تعلم تقنيات القراءة السريعة كونها مرتبطة بأحدث المعلومات المتعلقة بتخصصه؛ مما يساهم برفع مستواه العلمي والعملي وزيادة دخله.

تعد القراءة الصامتة بوابة الانطلاق نحو القراءة السريعة، فالعين تسبق اللسان بنسبة تتراوح من أربع إلى ست مرات، وتقر المناهج الدراسية الحديثة بوجوب تجاوز طلاب المدارس في المرحلة المتوسطة امتحان القراءة الصامتة بنجاح لأهميتها في المراحل التعليمية المتقدمة، فعند تحول القارئ من مرحلة التلفظ الجهري باللسان إلى التلفظ الداخلي يتقلص الوقت بنسبة كبيرة، نظرًا لاهتمام القارئ بمخارج الحروف الصحيحة، وهذا من أبرز سمات القراءة الجهرية عكس القراءة الصامتة غير المتكلفة، والتي يزداد فيها أيضًا نسبة الاستيعاب، وعادة ما يتأرجح القارئ في فترة الانتقال بين المرحلتين حتى يتمكن من إتقان القراءة الصامتة، فإذا أتقنها أصبح على مشارف القراءة السريعة.

تقسم القراءة السريعة إلى ثلاثة محاور رئيسة: المحور الأول هو زيادة سرعة القراءة، والثاني زيادة مجال رؤية العين، أما المحور الثالث والأخير فهو تعلم تقنيات القراءة السريعة.

بعد تجاوز مرحلة القراءة الصامتة (الداخلية) يصبح بإمكان القارئ حذف الصوت الداخلي أثناء القراءة، والانتقال إلى تحويل الكلمات إلى خيالات، فمثلًا بدلًا عن التلفظ الداخلي بكلمة شمس، أو قمر، نستبدل بها تخيل رؤية الشمس والقمر وهكذا… وتمارين مساحة رؤية العين يتم تدريبها عن طريق قراءة كلمة كلمة.. ثم كلمتين كلمتين.. حتى تنتقل إلى أسطر، من ثم يتحول المتدرب إلى قراءة فقرات وهكذا.. ومن خلال التمرين يتمكن القارئ تخيل الكلمات إلى أشكال، ويتفاجأ بنتائج مبهرة بعد تمكنه من القراءة السريعة، فقد كان معظم حائزي جوائز أسرع قارئ في العالم في بداياتهم أشخاصًا عاديين واستطاعوا من خلال التدريب المستمر الوصول إلى أرقام قياسية لم تكن في حسبانهم بفضل تمكنهم من القراءة السريعة، ففي إحد المسابقات العالمية حقق المواطن الأمريكي سي آن أدام المركز الأول من خلال قراءته لـ3850 كلمة في الدقيقة، وحقق النرويجي جيتل جنارسون المركز الثاني بعد قراءته لـــــ3050 كلمة في الدقيقة، ومن المشاهير الذين شاركوا في مسابقة أسرع قارئ الرئيس الأمريكي السابق جون كيندي؛ حيث قرأ 1200 كلمة في الدقيقة، وهناك أرقام أعلى من هذه بكثير، ولست بصدد طرحها بغرض التعجيز، وإنما لإثبات إمكانية  وصول الإنسان العادي إلى هذه الأرقام التي قد تبدو خرافية للمرة الأولى.

يعج الموروث الإسلامي بأخبار تؤكد صحة ما يدعوه أنصار القراءة السريعة من أرقام؛ فقد ذكر الحافظ بن حجر في الفتح وغيره أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقرأ القرآن في ركعة واحدة، وهناك أخبار كثيرة عن صحابة كسعيد بن جبير وعبد الله ابن الزبير أنهم قرأوا القران أيضًا في ركعة، وهناك من تابعي التابعين من قرأ صحيح البخاري ومسلم في جلسة واحدة، وكانوا يعتبرونها من بركة الوقت، ومن الكرامات التي يهبها الله لمن يشاء من عباده، بينما وضعها الغربيون تحت مجهر البحث والتجريب، ووضعو قواعد وقوانين لتسريع القراءة في أسرع وقت ممكن.

.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد