تتمحور الساحة الأدبية المعاصرة اليوم حول طرق كتابة رواية قصيرة أو طويلة في أسرع وقت ممكن؛ وذلك لمجاراة السرعة التي عرفها العديد من الكتاب خلال نشر أعمالهم في مدى زمني قصير تباعًا، مع التصريح بأنهم لم يستغرقوا في ذلك أكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر كأقصى تقدير؛ غير أن عملية كتابة رواية في أقل وقت وجهد هي بحد ذاتها تحدٍ للكاتب، ولقدراته الكتابية وجودة مخزونه اللغوي، وعليه فإننا سنعمل في هذا المقال على ترتيب مجموعة من الآليات والأسس التي من شأنها مساعدة الكاتب في عمله الإبداعي، وتقليص الجهد والوقت مع الخروج بنتيجة ترضي كل الأطراف وفي أقل وقت ممكن، ومن بينها نذكر ما يلي:

*قارئ جيد: الفرق بين القارئ العادي والقارئ الجيد هو تمكن القارئ الجيد من إيجاد الثغرات والزلات الأدبية في أي جنس أدبي يتناوله؛ بحيث يكتشف مواطن الحشو والتعتيم والإنصراف من أمر لأمر آخر إما بسبب قلة معارف الكاتب بالموضوع، أو لعدم أهمية ذلك الجزء في الحكاية، وبإمكانه ملاحظة الأخطاء اللغوية في كل من علم الصرف والنحو والإملاء، علاوةً على تمكنه من الخروج بفكرة توازي الأفكار؛ التي استوحى منها الكاتب الأصلي روايته؛ أما بالنسبة للقارئ العادي، فهو قارئ فضولي لا أكثر، يعتمد في غالب قراءاته على السرعة في القراءة وعدم التسطير والتفاني في عرض حال النص الذي بين يديه، وجملة القول في أن الفرق بين الاثنين هو أن أحدهما يرتكز على جمالية اللغة وقوة المحتوى، والثاني على عدد القراءات وسمعة الكاتب.

*تمكن ومخزون لغوي قوي: إن الإهتمام بجملة المعارف واللغات، والمعلومات حول عدة أحداث في الرواية؛ التي يقوم الكاتب بكتابتها تجعل منه كاتبًا؛  فذا يستطيع بفضلها إيهام القارئ بحقائق بعيدة وخرافية؛ حتى إنه يجعل من القارئ مهووسًا بما يكتب له ويتابع الأحداث بشغف، فيعيش مع الشخصيات كل الأحداث، ويتأثر إلى حد كبير بهم رغم علمه بحقيقة أنهم مجرد أوهام وخيالات مسجونة في عالم الأدب لا غير، كل هذا يكون ناتجًا بالمقام الأول عن قيمة وبراعة المخزون اللغوي الذي يتميز به الكاتب، والذي يسهم بشكل كبير جدًا في اتساع أحداث الرواية وتعمقه في الشخصيات وإتقان صناعتهم، ليجعل منهم خالدين في ذاكرة القارئ لا مجرد أسماء في رواية.

*ثقافة أدبية عالية: ويكون ذلك نتيجة تنويع القراءات لكتب عالمية في مختلف الأجناس الأدبية مع مراعاة التوجهات الفكرية للكتاب؛ الذين يتناول مواضيعهم، والفكرة الأساسية التي يكتب عنها الكاتب شخصيًّا؛ حتى لا تختلط عليه المواضيع؛ فيجد نفسه تلقائيًّا يستنسخ ما يقرأ، ويحدث هذا كثيرًا عندما تتزامن القراءة والمطالعة مع كتابة الرواية في نفس الوقت؛ فينزلق في السرداب نفسه للكاتب وأحداث رواياته ومساقه، ليستنسخ عنه بعضًا مما قرأ.

*السرعة في الكتابة: هذا الأمر كما سبق الذكر؛ يعتمد بشكلٍ كليٍّ على المخزون الأدبي، ووضوح الفكرة التي يصنعها الكاتب في ذهنه حول محتوى عمله؛ إنطلاقًا من المقدمة إلى ذروة العمل، أو الحبكة الأدبية إلى النهاية؛ التي يفضلها الكاتب بنفسه، كل هذا يسهل على الكاتب الشروع في نقل الأفكار الموجودة في رأسه إلى الورق أو الحاسوب؛ حيث يقوم بطباعتها وتدقيقها وتصحيحها ومراجعتها تدريجيًّا.

وتعتبر مرحلة الكتابة من أهم النقاط التي يركز عليها أثناء كتابة الرواية؛ إذ إن الكاتب يجب أن يتسم بالذكاء والنباهة الأدبية من جهة، وبالسرعة في تقييد الأفكار على الورق من جهة أخرى؛ لأن كثرتها يعني اختلاطها، وقد يؤدي ذلك إلى ضياعها، فعلى الكاتب التركيز جيدًا على هذا النقطة من البداية، ومحاولة تدوين أفكاره جيدًا وترتيبها حتى يسهل عليه إخراجها بأفضل شكل.

*تطوير الأفكار: ويكون ذلك من خلال تنويع التجارب اليومية للكاتب، ودخوله معترك الحياة من أجل نقل صور حية لشخصيات روايته؛ والذين يقص على لسانهم كل مجريات الأحداث، أو عن طريق التوغل في الأعمال الأدبية العالمية الكبيرة؛ والتي تركت كنزًا لغويًّا، وباحةً من الخيال الذي يستطيع أي كاتب الانطلاق منها في عمل جديد متميز بحد ذاته، وتطوير الأفكار يكون عن طريق الممارسة اليومية للكتابة، وتنويع أجناسها دونما الانصراف عن الهدف الأسمى منها، أو نسيان الرسالة التي يحاول كل كاتب إيصالها للقراء من خلال كتاباته المختلفة.

وأخيرًا أريد أن أنوه إلى أن الكاتب المجد والمحترف يستطيع بناء رواية في فترة زمنية محددة، إذا التزم بخطة واضحة وجيدة أثناء عملية الكتابة من البداية، وأثناء صياغة أفكاره الأولية قبل الإبحار في زوايا الرواية وأحداثها، إضافةً إلى حرصه على تطوير نفسه ولغته، وصقل مواهبه الإبداعية في الكتابة، وتجربة أجناس أدبية أخرى غير الرواية، تكون له ذخرًا، وتقربه أكثر من اكتشاف مواهبه الدفينة في الكتابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد