في كل عام يمر علينا شهر الله الكريم ونحن نستعد خلال أيامه لأداء فرض الصيام، وفي كل مناسبة يتم التطرق إلى الفوائد الناتجة عن الصيام وما لها من تأثيرات إيجابية على الجسم، وكذلك ما يتركه من أثر إيجابي على النفوس، فهو شهر نُدعى فيه إلى ضيافة الله عز وجل، ولكن هذا الشهر حوصر بين مطرقة الإعلام وسندان التخلف والادعاء بالإسلام، هذا الأمر أثر على أبعاده المادية والمعنوية بصورة واضحة، ومع غياب الوعي والرغبة في أحياء الصيام بنفس الروحية التي كان عليها في زمن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فإن مظاهر الصوم تلاشت وانعدمت بطريقة حرفية منظمة.

مطرقة الإعلام

تتهيأ المحطات التلفزيونية والقنوات الفضائية وحتى البرامج الإذاعية لهذا الشهر الفضيل من خلال إعدادهم للمسلسلات والأفلام والبرامج التي أصبحت أشبه ما يكون بالروتين، وكانت هذه النتاجات السينمائية ذات أبعاد محدودة تتمركز حول إنتاج مسلسل فوازير او مسلسل تاريخي أو مسلسل كوميدي ساخر أو برنامج إسلامي، ولكن هذا الأمر تغير خلال السنوات القريبة الماضية وأصبحت البرامج والمسلسلات أكثر ومعقدة ومتداخلة مع بعضها البعض مما جعل المسلم يعجل الإفطار من أجل متابعة البرامج التلفزيونية.

ما زاد من خطر هذه النتاجات الفنية هو مستوى الابتذال فيها فأصبح التعري والرقص والغناء وطرح المواضيع الشاذة وعدم إشراك المظهر الاسلامي للمجتمع فيه هو السمة الأبرز لهذه الاعمال، إضافة إلى الكلمات البذيئة والمصطلحات الإيحائية الخادشة للحياء، فلا تجد القيم الإسلامية المرادة الشعور بها حاضرًا في معظم الأعمال الفنية، لاسيما وأن أحد أهم الأهداف المرادة من الصيام هي التغلب على الجوارح وعدم اتباع الهوى وتقليص المساحة للنفس الإمارة بالسوء وكبح جماح الغريزة.

الإعلام من خلال مطرقته أخذ يسطح كتلة أهداف الصيام وينحف هذه الفريضة لدرجة فقدانها لخواصها وقوامها، فشهر رمضان أصبح عبارة عن منافسة إعلامية ونقطة انطلاق للفنانين والمقدمين لإبراز عضلاتهم واكتساب نقاط الشهرة، وإن تطلب ذلك هتك حرمات الإسلام، فهو محطة تجارية وميناء للتصدير، أما من تمسك بالإسلام وأراد أن ينتج عملًا يراعي فيه أبعاد الإسلام فإنه سينفخ فيه ريح الطائفية من أجل أن ينال إعجاب الجمهور المتعطش إلى سماع مثل هذه الحماقات والتفاهات.

لقد اختفت مظاهر الورع والخشوع ولم يعد هناك متسع من الوقت ليقرأ فيه المسلم القرآن، ولم يعد هناك متسع للوقت من أجل أن يقف بين يدي الله وهو يدعوه عز وجل بتضرع ليشعر بالسكينة والراحة وهو يقدر ما لهذا الشهر من الأهمية والعظمة والذي فيه ليلة القدر المباركة، ما تبقى هو التسابق من أجل متابعة أحداث المسلسلات والبرامج ومناقشتها في اليوم التالي.

سندان التخلف

لم تكن لمطرقة الإعلام أن تنجح لولا وجود سندان التخلف وهو يساعد على تغيير واقع الصوم وأهدافه، وهذا التخلف لا ينحصر في الصيام فقط، بل هو فكرة عامة تعدت إلى الذات الإلهية، فالمجتمع الإسلامي وبسبب نماذج من رجال وعلماء الدين وخطباء المنابر والذين يلبسون زيًا يميزهم عن غيرهم من الناس ويرفعون شعارات الإسلام، ولكنهم يعيثون في الأرض فسادًا ظنًا منهم أنهم مصلحون او أنهم قد باعوا أنفسهم وقبضوا الثمن، هؤلاء هم الزمرة الفاسدة التي جعلت الناس تنبذ الدين وتتوجه إلى التشبث بأي فكرة تتعارض ومفاهيم الإسلام من غير التمييز بين الحق والباطل وبين العالم الورع ومدعي العلم، لذلك أصبح الشاب لا يعير الصيام أي أهمية كما هو حال الصلاة والتي لا يذكرونها إلا أيامًا وبعدها تذهب مع الريح، جل ما يهتمون به هو اللعب ومن أراد ان يتعلم ويتثقف مال إلى مسائل الخلاف والاختلاف بين الناس.

لم يعد لدى الشباب أي روحية وإيمان بالله ولا توجد علاقة تربطهم بالدين سوى نشأتهم في وسط مجتمع مسلم وفي بيت للمسلمين، فهم يعيشون دراما حقيقية حيث الفقر والبطالة وفقدان الأمل والطموح ورؤية مستقبلهم يضيع وهم بين فار وعاطل وبين مشغول بكسب لقمة العيش بصعوبة وفي الطرف الثاني يتسكع أبناء الأغنياء ممن كانوا فقراء فيما سبق وهم يبذخون الأموال من غير حساب، أما من صفعته يد المخدرات فإنه انجرف إلى وادٍ سحيق لا ينجو منه أحد إلا بصعوبة، فشبابنا لم يعد قادرًا على المطاولة والمماطلة، وهو متوجه إلى الشذوذ والتخلف ويساعده على ذلك الإعلام الفاسد وأئمة الضلالة، والوضع السياسي والاقتصادي المتدهور على طول السنوات المنصرمة.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات