جاء أحد المرضى في يوم السبت إلى سيدنا عيسى عليه السلام طالبًا العلاج، فلما عالجه سيدنا عيسى، اعترض عليه بعض حوارييه، كيف يفعل ذلك في يوم السبت؟ فأجابهم قائلًا: «السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ»، وهذه الإجابة توضح مقصد العبادات التي فرضها الله على عباده، فإن الله سبحانه وتعالى غنيٌّ عنا ونحن الفقراء إليه، وهو لا يسعى لتعذيب خلقه بل يريد سعادتهم ورحمتهم، والمقصد الحقيقي من وراء كل التكليفات الشرعية هو تحقيق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة.

إن الصيام لا يهدف لإرهاق الإنسان، وإتعابه من خلال الجوع والعطش، بل يهدف لتهذيب نفسه، وتقويم سلوكه، وزيادة حسناته: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون»، لذلك أجاز الإسلام للإنسان أن يفطر إذا عانى من أي مشقة زائدة عن الحد المعتاد: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر…»، ويرفض الإسلام اتخاذ تعذيب النفس وإلحاق الضرر بها وسيلة للتقرب لله، فبينما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطُب إذا هو برجلٍ قائمٍ في الشَّمس، فسأل عنه؟ قالوا: هذا أبو إسرائيلَ، نذر أن يقومَ ولا يقعدَ، ولا يَستظلَّ، ولا يتكلمَ، ويصومَ. قال: «مُرُوهُ فَلْيتكلمْ وليستظلَّ وليقعدْ، وليتمَّ صومه» فأمره النبي عليه السلام بالتوقف عن الأشياء المتعبة بلا فائدة، وأمره بإتمام الصيام لما يترتب عليه من فوائد دينية ودنيوية.

ومن حكم الصيام أن يتذكر الصائم أثناء جوعه أولئك الفقراء الذين يجوعون طوال العام، يقول الإمام ابن الهُمام رحمه الله: «فَإِنَّهُ لَمَّا ذَاقَ أَلَمَ الْجُوعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ذَكَرَ مَنْ هَذَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَتُسَارِعُ إلَيْهِ الرِّقَّةُ عَلَيْهِ» [فيض القدير: 2/301]، لذلك كان تفطير الصائمين من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم لربه: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ»، وكان الكرم من هدي رسول الله: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ..» ولا ننسى أن صدقة الفطر تأتي في نهاية رمضان، ويجيز بعض الفقهاء تعجيلها خلال الشهر الكريم.

وإذا كان المسلم شيخًا كبيرًا لا يقدر على الصيام أو مريضًا مرضًا مزمنًا، فإنه مكلف بإطعام مسكين عن كل يوم يفطره: «وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين» فكم هي معاني الرحمة التي يذكر بها الصيام الصائم بأخيه الإنسان، لذلك لا عجب أن ينتظر الفقراء هذا الشهر، وأن يسعدوا بقدومه!

وإذا لم يترك الصائم إيذاء غيره من الناس، فلا يكون قد حقق مقاصد الصيام في نفسه، فقد جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، ويلحق بقول الزور كل ذنب فيه ظلم وإيذاء للناس، بل إن المسلم مطالب أن يكون أكثر تسامحًا وحلمًا على إخوانه الصائمين أكثر من بقية الأيام: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ».

وحينما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه في يوم شديد الحر، أخذ بعضهم بالرخصة فأفطر، وصام الآخرون، فلما نزلوا في مكان قام المفطرون بإعداد الطعام، وسقي الإبل، وتجهيز المكان، أي أنهم قاموا بجميع الأعمال المطلوبة، ولم يفعل الصائمون شيئًا، فقال النبي في ذلك اليوم: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ»، فهم استحقوا الأجر لأنهم قاموا بخدمة إخوانهم.

هذه بعض المعاني الإنسانية في الصيام، وبالتأكيد يوجد غيرها، فما أجمل أن نتقرب للرحمن في رمضان، برحمة الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد