التلفزيون الأبيض والأسود كان من مظاهر الغنى الفاحش قديمًا عند المصريين والعرب، لعل ذلك يرجع إلى انعدام التطور التكنولوجي الذي كان يتمتع به الغرب في ذات الوقت، رغم أن الأوروبيين كانوا يقترضون من الدول العربية قبل 100 عام من الآن. لا أعلم كيف لمقترض أن يتمتع بكل هذا التقدم العلمي وهو مقترض، ونحن المُقرضون ما زلنا نبحث عن قصف جديد يُضيع صيامنا «إنها قمة المهزلة».

عربي يجلس مع نفسه يتأمل ويتساءل: ما الذي حدث للعرب؟ كيف تحول الأوربيون المقترضون منا إلى مُقرضين لنا؟ وما علاقة شهر رمضان المبارك بالقصة؟ مصري يذهب في الثامنة مساءً كل يوم تقريبًا إلى المقهى الذي يبعد عن منزله نحو 300 متر تقريبًا على شاطئ نهر النيل في وسط صعيد مصر، بعد وصوله بلحظات يراه الساعي، فيحضر له «الشيشة» المفضلة لديه التي بالكاد يقدمها لأحد غيره من أجل استمراره في حمايته من مسئولي التموين الذين كانوا يطاردونه بصفة شبه يومية، ويكبدونه الخسائر نتيجة عدم التزامه بإجراءات التراخيص ومخالفته القانون.

بالمقهى، يأتي صديقه ويجاوره في الجلوس ويسأله: «لماذا كل هذا العري في وقت الصيام عبر الشاشات؟» يبدأ في إجابته بالحديث عن تاريخ الدول العربية، وكيف أنها كنت شامخة غنية رغم الاحتلال ، وكيف كان جُل حلمها أن تحصل على تلفاز بالألوان بدلًا من ذلك الأبيض والأسود الذي أتعب عيونهم، وأرهق أجسادهم، وأرق نومهم، نتيجة عدم وضوح الأجساد العارية والراقصة التي تثير الشهوة وترفع الضغط عبر تلك الشاشة القبيحة التي لا تحوي سوى لونين فقط.

بصوت عالٍ بدأ يضحك طويلًا ضحكة استمرت قرابة الدقيقة ونصف، ليرد بعدها بسخرية: «يعني ضحكوا علينا بتلفزيون». قبل أن يجيبه انضم إليهما أحد أصدقائهما المتشددين والمنحازين للنازية العربية، والديكتاتورية الحاكمة التي أعادتنا إلى الخلف مئات السنين، وأبطلت صيامنا طوال الدهر، لا أعلم إن كان مغيبًا أم مضحوكًا عليه أم أنه ما زال يتخيل أننا في القرون الأولى.

 بدأ صديقهما في الإجابة ولم يبد اهتمامًا: يا صديقي، لقد حاربوا صيامنا بجسد امرأة عبر شاشة صغيرة صنعوها خصيصًا للقضاء علينا، والخلاص منا، ونهب ثرواتنا، وإضعاف قوتنا، وشل تفكيرنا. وأقول قديمًا كان لنا كلمة عليا لا يُدّنيها أحد مهما كان السبب، لكننا اليوم بعد أن أكلنا الطعم وابتلعناه وهضمناه، سُرقت ثرواتنا وقُضي علينا، ولم تعد لنا كلمة، وبدأت الحرب المعلنة علينا والموجهة نحونا، ولعل ما حدث البارحة في غزة بعدما ماتت «صِبا» نتيجة ضعفنا، لم نأخذ ثأرها، فقتلوا أمها الحامل في أختها بكل دم بارد.

ورغم كل ذلك العدوان ترى ذلك الـ«ترامب» في الثالثة فجر أمس الأول يدندن عبر تويتر بصوت عالٍ دون أن يخشى أحد، ويهدد ويتوعد غزة الصابرة التي لا حول لها ولا قوة، دون أن يرده أحد من ملوكنا ورؤسائنا وحكامنا ووزرائنا ووزيراتنا وأعلامنا. غزة تلك البلدة الطيب أهلها ينهش في جزء من جسدها الاحتلال، والآخر تنهشه حماس.

حتى صيامنا في رمضاننا لم يعد مقبولًا بسبب شهواتنا التي باتت كالنيران تأكل أجسادنا التي تحلم بمضاجعة تلك الأجسام الراقصة، عبر الشاشات الملونة التي استُهدفنا بها قبل قرن من الزمان.

قد أتذكر المجاعة وسرقة الطعام والشراب من الصائمين في اليمن، الذين أصابتهم الكوليرا دون أن يتحرك للعرب ساكنًا، بل أطلقوا معارك الحسم والحزم والعصف العسكرية التي لم تستهدف حوثيًا واحدًا، بل كانت جميعها تقتل المدنيين وتنهش في أجسادهم البالية التي يملؤها المرض.

وفي ليبيا حرب أهلية بين نظام شرعي تعترف به كل الدول، وشخص مجنون يدعمه كل الأفاقين من خدام الأنظمة ولاعقي أحذية الحكام، والسودان الطيب، لم ينج من الخطة المسمومة فجاء إليه «عبد الفتاح». لا زال أملي في الجزائر الذي أُبدي شعوريًّا أنه يعرف طريقه جيدًا نحو الديمقراطية الحقيقية التي ترعى الشعب ومصالحه، وتضمن له حقوقه وواجباته وحرياته التي للأسف باتت عملة نادرة في وطننا العربي الصهيوأمريكي.

ما الحل إذن؟ يؤسفني أن أردد مقولة الثوري المصري السابق سعد زغلول: «مفيش فايدة»، وهذه هي الحقيقة الوحيدة التي لن تتغير إلى نهاية الزمان أن العرب ليس لهم صيام في رمضان طالما أنهم لم ينتبهوا للقصف الذي يصيبهم في مقتل عبر الشاشات وهم خامدون. لكن الدين له رأي آخر في هذه المعضلة عبر معجزة تحدث آخر الزمان بعد نزول المسيح عيسى بن مريم إلى الأرض بصحبة المهدي المنتظر، ويقاتلان سويًا الأشرار من العرب والعجم، وينشرا العدل والقسط في الأرض كما نُشر الظلم والقهر. وأخيرًا «ويل للعرب من شر قد اقترب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد