«يحلم كل أولئك الذين يرغبون في شق صف فصيل وطني كحركة فتح»، هذا ما صرح به قياديو «فتح» لدى مشاركتهم في احتفالات الحركة بالذكرى الخامسة والخمسين لتأسيسها، تعقيبًا على تصريحات الخصوم، والذين توقعوا نهاية وشيكة لـ«فتح» ومشروعها السياسي.

تأسست حركة التحرير الفلسطيني «فتح» منذ أكثر من نصف قرن في شتات الخارج على يد ثلة من نخبة الفلسطينيين، لتبدأ مسيرتها المتميزة، والتي تخللتها معارك ميدانية ودبلوماسية عديدة انتصرت في بعضها، ولم تُوفق في بعضها الآخر.

استطاعت «فتح» بفضل طبيعتها الشاملة والمنفتحة على كل التوجهات والمشارب، أن تحوز ثقة الفلسطينيين ما جعلها تسيطر على المشهد السياسي الفلسطيني لسنوات، إلا أن وفاة زعيمها التاريخي ياسر عرفات كان بمثابة بداية انحدارها السياسي؛ إذ كثرت الانقسامات الداخلية الفتحاوية وتغلغل منطق الأنا المقدمة على مصلحة المجموعة، لتستغل حركة «حماس» الإسلامية ذلك، وتحقق فوزًا ساحقًا في انتخابات 2006، عقبه انقلاب غزة صيف 2007.

بقطع النظر عن ملابسات تقهقر حركة «فتح» السياسي، ودون النظر إلى رغبة «حماس» في الاستئثار بالمشهد الفلسطيني عبر تغذية الانشقاقات الداخلية في «فتح»، فالمؤكد أن سنة 2020 ستكون سنة استثنائية لـ«فتح» وكوادرها.

الاخبار التي تصلنا من المطبخ الداخلي لـ«فتح» تشير إلى أن القيادات الفتحاوية اليوم مسكونة بهاجس وحيد وهو ضرورة توحيد الصف لمواجهة التحديات العديدة باقتدار، فإن «فتح» كغيرها من الفصائل الوطنية التي تعرضت في تاريخها لمثل هذه العوارض والأزمات، قادرة على استعادة مكانتها على الصعيد المحلي والدولي ما سيمثل قطعًا إضافة حقيقة للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني.

لم تخل الضفّة الغربيّة ولا قطاع غزّة من أصوات الاعتراف بحركة «فتح»، أصوات داعية للوحدة وتثبيت الصفّ وتعديل البوصلة، بدل الفرقة والشّتات، وتغليب الأهواء، وحبّ الزعامات. إحياء ذكرى التأسيس هذه السنة لا يدع للمتابع مجالًا للشكّ في سعي «فتح» إلى بثّ دماء جديدة في روح مناصريها، عمادها الوفاء للوطن والثبات على القيم.

هل تكون أزمة المنظومة السياسية الإسرائيلية فرصة «فتح» لتوحيد صفوفها؟

لم يسبق أن تعرضت حركة التحرير الفلسطيني «فتح» عميدة المقاومة عبر تاريخها الطويل لامتحان عسير كما تتعرض له اليوم، ففي ظل تواصل موجة الانشقاقات والصراعات الداخلية، بدأ الحديث عن إمكانية ضمور الوزن السياسي لـ«فتح» وانحسار شعبيتها لاسيما وأن ما يعيشه البيت الفتحاوي من اعتزاز يقابله عمل دؤوب من الحركات المنافسة لاستمالة أنصار «فتح».

يرى المهتمون بشؤون الشرق الأوسط أن التحدي الحقيقي بالنسبة لحركة «فتح» يتمثل في قدرتها على المحافظة على وزنها في الرقعة السياسية الفلسطينية، والتي على خلاف السابق اختلف فيها عدد المشاركين، ولم تعد ثقافة القطبين: «حماس» و«فتح»، تحكمها.

رغم خطوة الوضع، فإن كل المؤشرات تجعلنا متفائلين بمستقبل «فتح» «العمود الفقري للثورة الفلسطينية»؛ فالاحتفالات الشعبية الواسعة التي أقامتها الحركة أول الشهر في ذكرى تأسيسها أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن «فتح» تتبوأ مكانة خاصة جدًّا لدى كل فلسطيني.

تجدر الإشارة إلى أن الأصوات التي بدأت تتعالى داخل «فتح» لضرورة تغليب مصلحة المجموعة، وتجاوز كل الخلافات الماضية، لم تعد مجرد دعوات منفردة، بل أضحت هذه الدعوات توجهًا عامًّا داخل الحركة يُتوقع أن يساهم في فترة قصيرة في استعادة الجسد الفتحاوي لعافيته، بعد أن نخرته المؤامرات الداخلية والخارجية.

في الإطار ذاته رأى العديد من المحللين السياسيين أن الأزمة السياسية في إسرائيل ستخدم «فتح» أيما خدمة؛ إذ يُعتقد أن انشغال دولة الاحتلال بتبعات نتائج الانتخابات المربكة، وانكفائها على شأنها الداخلي سيعطي حركة «فتح» ما يكفي من الوقت لتوحيد صفوف، ورشح الخبيث من الطيب من أعضائها.

لا شك أن الأوضاع على الساحة الفلسطينية ليست على ما يرام، إلا أن استعادة «فتح» عميدة الثورة الفلسطينية لعافيتها سيساهم ولو جزئيًّا في حل العديد من المشكلات التي يعيشها الفلسطينيون عبر إحداث نوع من التوازن داخل الرقعة السياسية الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد