لعل البحث عن أخطاء الناس شيء معيب، إلا أنه فى التاريخ لا يعد عيبًا، بقدر ما هو معرفة، وعلم، واتخاذ عبرة، وتلك فى رأينا الفائدة الكبرى للتاريخ؛ فالتاريخ هو المعلم الأكبر الذى يستطيع أن يفيد البشرية، إن هى قرأته بعقل وحكمة، فلو وعى الناس دروس التاريخ؛ لعاشوا بلا حروب، وكروب، ولكنها سنة الحياة: أن نجرب الخطأ بأنفسنا؛ لنتعلم، ولكن تجربة الأبطال للخطأ تكلف الكثير؛ لأن أممهم كلها تتحمل معهم تلك التكلفة.

الغرق فى ثلوج روسيا

بعد تحالف قصير مع روسيا دب روح الخلاف بين قيصر روسيا والفرنسيين، حيث تطلع الأول لضم بولندا؛ مما حدا بالقائد الذى أفزع أوربا إلى تجهيز جيشه ليؤدب القيصر متجاهلًا نصائح مستشاريه، وقد قام الجيش الروسي بتفادى الوقوع مع نابليون فى معركة واحدة حاسمة، وراوغه حتى توغل نابليون فى الأراضى الروسية، وخاض مع الروس عدة معارك غير حاسمة؛ كانت نتيجتها أن قرر العودة إلى فرنسا، دون أن يحرز نصرًا يُذكر، وأثناء الانسحاب تعاون برد الشتاء مع الروس، وعاد نابليون بحوالى 10% من جنوده الذين بدأ بهم الحملة، وكانت تلك الهزيمة بداية النهاية لنابليون ولأمته كلها. خطأ فى التقديرات العسكرية كلف القائد الذى أفزع أوروبا كل انتصاراته وكلف أمته حريتها وشرفها. درس فى التاريخ لو وعاه هتلر- مع الفارق بالطبع – لكان وجه التاريخ قد تغير.

السلطان الظاهر وانهيار دولة المماليك

السلطان الظاهر «برقوق» هو مؤسس دولة المماليك الجراكسة، ودائمًا ما يشار إليه على أنه من أعاد أمجاد الدولة المملوكية، وجدد فيها الدماء، وأطال فى عمرها أمدًا آخر، بعد أن دب الوهن فيها؛ بسبب ضعف السلاطين البرجية، أحفاد الملك الناصر «محمد»، وقد كان للظاهر برقوق بصمة كبيرة فى تاريخ مصر، وفى حياة الدولة المملوكية، لكنه وهو يبنى أمجاده تلك وقع في خطأ كانت نتيجته انهيار النظام المملوكي، وانتشار الظلم والفساد وضعف الدولة؛ ومن ثم انهيارها؛ نتيجة تخاذل أبنائها وانشغالهم بخيانتهم ودسائسهم، كان المماليك يتم اختبارهم أطفالًا صغارًا، وتنشئتهم تنشئة دينية وتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة، وتحفيظهم القرآن، ثم تدريبهم على حمل السلاح وفنون القتال، لكن برقوق وهو ينشئ دولة الجراكسة أراد أن يكثر من عدد هذا الجنس الجركسي، ويتخذ منهم جندًا كثيرًا بأسرع وقت ممكن؛ فبدأ يشتريهم غلمانًا كبارًا؛ ليدربهم مباشرة على حمل السلاح؛ ليعينوه على حروبه وصراعاته، وهنا نسي تربيتهم التربية الدينية التى كانت تجعلهم يشبون بعيدين عن الظلم إلى حد كبير، وكانت النتيجة الحتمية أننا صرنا أمام جنود مرتزقة بمعنى الكلمة، لا يجيدون سوى حمل السلاح، وخوض الصراعات، لا يحترمون شيئًا، ولا يقدرون أحدًا، حتى أنهم كانوا يضربون سلاطينهم، ولا يقبلون على دخول الحرب، بل لا يرغبون، إلا فى المال، حتى وإن اختطفوه من أيدى العامة، ولا يقدر السلطان على صدهم أو ردهم، وظلت الأحوال تتدهور؛ حتى كان السقوط مدويًا. خطأ كلفنا الكثير، وصنع من المآسى والكرب ما كان التاريخ فى غنى عنه.

صلاح الدين والقضاء على مجهود أجيال

لا شك أن صلاح الدين الأيوبي أحد أبرز وأهم أبطال العالم الإسلامي، ولا يذكر اسمه إلا مقترنًا بالبطولة والكرامة التى ردها إلى العرب والمسلمين يوم أن انتصر على جحافل الصليبيين وحرر بيت المقدس، وقبل أن يحرر القدس استطاع أن يكمل جهود أسلافه من الأرتقية «عماد الدين زنكى» وولده «نور الدين» لتوحيد جبهات العالم العربي تحت لواء واحد تمهيدًا للمعركة الكبرى التى تحرر القدس، لكن البطل الأيوبي، وبعد أن تحررت القدس، وما إن دنا أجله ـ رحمه الله- أراد أن يترك دولة قوية لأبنائه البالغ عددهم سبعة عشر ولدًا، ويجعلهم لا يختلفون من بعده على الملك والسلطان فقسم بينهم حكم ممالكه، فجعل لأحدهم مصر، وللثانى دمشق، وللآخر حلب، وهكذا قضى البطل بيديه على دولته القوية، ووضع أول مسمار فى نعش الدولة المتحدة التى تم تأسيسها، وكانت نتيجة ما فعله أن دب الخلاف بين هؤلاء الحاكم الصغار، وشبت بينهم نيران فتن لم تنطفئ، إلا بعد أن ضعفت دولهم مرة أخرى، وهكذا أخطأ البطل، وتحملت الأمة الأعباء، ولم تقرأ الدرس؛ فتكرر الخطأ وتكررت المأساة.

عمر بن عبد العزيز وعودة الظلم

هو خامس الخلفاء الراشدين كما لقبه المؤرخون؛ وذلك لشدة عدله وإنصافه الذى ماثل عدل جده «عمر بن الخطاب»، ولحسن سيرته انتظمت أحوال الرعية، وعاشوا فى هدوء وسلام، حتى أن الشيعة لم يثوروا ضده أبدًا، وقد تولى عمر الخلافة، بالرغم من أنف الجميع؛ فقد بُويع له بالخلافة دون أن يعلم الناس أنه هو من اختاره «سليمان بن عبد الملك» ولم يرض عنه بنو أمية طوال مدة خلافته؛ لأنه أخذ ما بأيديهم، وجعلهم كبقية الناس، حتى إنه يُشار أنه قُتل بمؤامرة دبرتها عمته، إلا أن عمر، بالرغم من عدالته التى شملت الجميع، قد وقع فى خطأ جسيم: وهو أنه لم يرد الأمر شورى بين عامة المسلمين، بل أبقى على «يزيد بن عبد الملك» ذلك الفتى الذى اختاره سليمان بن عبد الملك ليكون وليًا لعهد عمر، وهو بعيد كل البعد عن عدل عمر وزهده، وهكذا ما هى إلا سنة أو يزيد قليلًا حتى عادت الأمور إلى ما كانت عليه من جور وظلم. خطأ كلفنا الكثير، ودرس لو عايناه؛ لعشنا تاريخًا أفضل من تاريخنا، وحاضرًا أجمل وأجمل.

هكذا هى دورس التاريخ، إن لم نستفد منها، وهكذا هم العظماء عندما يخطئون، فهم عظماء حتى فى أخطائهم!

وكأن المثل الشعبي الذى قاله أجدادنا «غلطة الشاطر بألف»، محض حقيقة لا تقبل الجدال، خاصة مع قراءة التاريخ وتأمله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد