(1)

ذكرت دار الإفتاء التابعة للحكومة المصرية أن الممتنع عن أداء صوته آثم شرعًا!، وذكرت في بيان ذلك أن «أن الإسلام حث المسلمين في كل زمان ومكان على التحلي بالصدق والأمانة والتخلي عن الكذب والخيانة، وأمر المسلم بأداء الأمانة بكل أنواعها وأشكالها؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وتابعت دار الإفتاء المصرية: لا شك أن الشورى هي الديمقراطية التي يجب أن يتربى عليها أبناء المجتمع ليكونوا أمناء صادقين، والشورى لازمة وواجبة بين أفراد الأمة، ويجب على من توافرت فيه الصلاحية لأداء هذه الأمانة أن يدلي بصوته الانتخابي ولا يتأخر عن القيام بهذا الواجب بصدق وأمانة ونزاهة وموضوعية.
(2)
ويكمل البيان «وعلى ذلك: فالممتنع عن أداء صوته الانتخابي آثمٌ شرعًا، ومثله من يدفع صاحب الشهادة إلى مخالفة ضميره أو عدم الالتزام بالصدق الكامل في شهادته بأيِّ وسيلة من الوسائل»، لكنه في موضع آخر يحدد للناس الشهادة التي يجب أن يشهدوها، فدعا جموع الشعب المصري من الرجال والنساء والشباب «للنزول بـكثافة للمشاركة في العملية الانتخابية؛ لأجل إعطاء رسالة إيجابية للعالم بأن مصر أصبحت قاطرة في ممارسة العلمية الانتخابية».
(3)
وما أصدق القاعدة المؤسسة لعلوم الفقه الإسلامي كافة أن (الفقه فرع عن التصور)، فأول خطوات الفتوى في مسألة هي تصور المسالة تصورًا صحيحًا، ولا يمكن إنزال الحكم على المسألة
(4)
فالفقه لا يبدأ إلا حين ينتهي تصور المسألة وتكييفها، وقد يكون التصور صحيحًا فصبح أمام الفتوى فرصة لأن تكون صحيحة، وقد يكون التصور خاطئًا فيحكم على الفتوى بالخطأ من بدايتها، وقد يكون التصور ضالًا مضلًا، فالفتوى التي ستتبعه ستكون بالضرورة ضالة مضلة.
(5)
وعلى هذا نقول: هذه الفتوى التي تؤثم الممتنع عن الإدلاء بصوته بدعوى امتناعه عن تطبيق الشوري، ومحاولة الوصول لمن يصلح لحمل الأمانة، هي فتوى في محلها تمامًا إن كنا أمام انتخابات حرة، في مناخ حر صحي، يسمح لكل مرشح يرى في نفسه القدرة على حمل الأمانة أن يتقدم، وفي مجتمع يكفل له فرصًا عادلة وضمانات مناسبة، ويقدم له من الأدوات الإعلامية ما يتيح له أن يصل بآرائه إلى الناس، وفي مناخ يتيح للناس أن تستمع للرأي والرأي الآخر وألا تحجب عنها الحقائق، إذا كان هذا هو توصيف الواقع فبالفعل يكون الممتنع عن أداء صوته آثمًا، فهل هذا هو واقعنا الحالي.
(6)
فلما انطلقت الفتوى من تصور ضال مضل للواقع الحالي خرجت بدورها فتوى ضالة مضلة، فالفتوى يجب أن تجيب عن التساؤل الآتي: ما حكم من يدلي بصوته في مسرحية انتخابية ينظمها نظام مستبد قمعي لا هم له ألا التمكين للحاكم الظالم وحمايته، وقد أطاح قبل الانتخابات بكل مرشح محتمل له ولو بصيص من القدرة على المنافسة، ثم في النهاية جاء بمنافس كومبارس تافه يقول أنه يؤيد منافسه، فما حكم المشاركة في هذه الانتخابات، وما حكم تأييد هذا الحاكم؟، هكذا كان يجب أن يكون تصور المسألة التي نستفتي فيها.
(7)
ولا شك أن من يشارك في هذه الانتخابات هو مرتكب لخطيئة كبرى، وهو آثم أثم آثم من سبعة أوجه:
1- شهد شهادة زور إذ قرر بذهابه أمام الناس أنها انتخابات صحيحة يدلي المرء فيها بصوته.
2- أعان على الظلم بأن أعطى شكلًا شرعيًا للنظام القمعي فدعمه بذلك.
3- دلس على الناس وخدع غيره.
4- كثر سواد الظالمين وفي ذلك تعضيد للظالمين وتوهين للمصلحين.
5- أهدر جهده ووقته وماله في باطل.
هذا فيمن ذهب يبطل صوته أو يعطيه للكومبارس، أما من أعطى صوته للطاغوت المجرم السفاح، المحارب لله وشرعه، الساعي في الأرض فسادًا، الذي قتل وجرح وسجن وأحرق وشرد، فما نحسبهم بانتخابهم له ألا قد اقتحموا النار معه على بصيرة، وستأتي بطاقة الانتخابات في ميزانهم يوم القيامة كأمثال الجبال، وستكون لعنة عليهم في الدنيا قبل الآخرة، فمن أعان ظالمًا سلطه الله عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد