علماء السلطان: هو مصطلح يطلق على مجموعة الأشخاص الذين لديهم قدر من العلم الشرعي يستعملونه بشكل أو بآخر لخدمة مصالح أمير أو قائد أو زعيم أو سلطان معين، حتى وإن كان هذا لا يتماشى مع أخلاقيات ذلك العلم، أو مع النصوص الشرعية، ويقومون بلي أعناق النصوص لتناسب مصالح حكامهم ومن فوقهم، ويطلق عليهم أيضًا: شيوخ السلاطين، وشعراء البلاط أو شيوخ البلاط.

ولهذا كان أخوف ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمّته، (كلّ منافق عليم اللسان) أخرجه أحمد والضياء في المختارة، ولأحمد من حديث أبي ذر: (غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال، الأئمة المضلون). فعلماء السلطان هم الذين يلبسون على الامة من أجل دراهم السلاطين والملوك على حساب الشعوب، وهذا ما دعى الفيلسوف الروسي لأن يقول: (الدين أفيون الشعب).

تشهد السعودية اليوم العديد من العمليات الإصلاحية في بنية المجتمع السعودي. هذه العملية الإصلاحية بدأها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث يسعى ولي العهد إلى انشاء دولة متحضرة متقدمة على كافة السبل، ولكن أسئلتنا كثيرة تدور حول هذه العملية الإصلاحية ومن أهم هذه الأسئلة هو ما دور العلماء، أقصد هنا علماء الدين في هذه العملية؟ وكيف يتم توظيف النص الديني في تحقيق مصالح السلطة السياسية في التشدد والتحرر؟

إننا حين ننتقد علماء السلطان لا نتخذ موقفا معينا من المملكة العربية السعودية ولا الدين الإسلامي الذي هو ديني أولا وآخرا بل انتقادنا هو لمن يحاول الدمج بين الخطاب الديني وبين الدين والفرق بينهما شاسع. فالخطاب الديني على مرّ التاريخ كان خطابًا موظفًا من قبل أيدلوجية سياسية، أما الدين بوصفه حالة روحية بين الرب وعبده ينفصل انفصالًا تامًا عن هذا الخطاب الديني. وعندما ندرس حالة السعودية فنحن بالطبع لا نعبر عن حالة عداوة تجاه الشعب السعودي أو تجاه العملية الإصلاحية الحاصلة هناك، بل ننتقد لنصلح الفكر ونتخلص من براجماتية علماء السلطان لننتج مجتمعًا قادرًا على التطور والتحضر بعيدًا عن السلطة الدينية، أو حتى السلطة السياسية.

جاء تصريح هيئة كبار العلماء في السعودية عندما أعربت عن تأييدها لكل ما يراه ولاة الأمر في المملكة مصلحة للبلاد والعباد، وذلك في أول تعليق منها على الأمر الملكي القاضي بالسماح للنساء بقيادة السيارات لأول مرة في تاريخ المملكة صادما بحق والسبب في هذه الصدمة هو هل كانت قيادة المرأة للسيارة حراما أحله ولاة الأمر؟ أم أنه كان حلالًا منذ البداية وولاة الأمر أخفوه؟ والسؤال الأهم أليس وظيفة علماء الدين هي المطالبة بإحقاق الحقوق وإقرار الحلال من الأمور، بل وفرضها على السلطة السياسية، فلماذا انتظر علماء السعودية كل هذه الفترة؟ وألا يستوجب ذلك توبة علنية، وطلب المعذرة من النساء السعوديات عن إهدار حقوقهن طول تلك الفترة؟

ويستمر مسلسل فتاوى السلطان ليمتد إلى ارتفاع أسعار السلع في المملكة بعد ارتفاع قيمة المحروقات هناك. ليأتي جواب السلطة الدينية أن قيمة السلع هي من عند الله استنادًا إلى حديث قد يكون ضعيفًا مرويًا عن الرسول عندما جاء إليه عدة من الناس يسألونه أن يقرر قيمة السلع المتداولة فأجاب الرسول بأن قيمة السلع هي من عند الله. هذا الحديث اختلف حوله العلماء المسلمون، والراجح أنه غير صحيح. لا ينبغي على علماء الدين التدخل في شؤون الحياة، بل يجب ترك هامش للناس تعيش حياتها بعيدًا عن فتاوى رجال الدين؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال ذات مرة: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم).

وها هو شيخ المنابر الشيخ العريفي يصعد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروي عن المسلحين المعارضين في سوريا رؤيتهم للملائكة تقاتل في صفهم في المعارك ضد الجيش السوري. العريفي نفسه دعا للرئيس السوري بالخير في أحد مساجد مدينة حلب قبل اندلاع الحرب في سوريا. وهو نفسه من دعا للقذافي قبل اندلاع الأحداث في ليبيا، ليعود مرة أخرى ويهاجم القذافي في أكثر من حادثة.

العريفي الذي يروج للمبدأ القائل بطاعة ولي الأمر ويحاول تفسيره وتلطيفه وهذه محاولة أخرى للترويج للسلطة السياسية وهو ما يضر بالدين نفسه فالدين لا ينافق لأي كان ومهما كانت مرتبته.

إن زج الشيخ العودة في السجن مظهر آخر من مظاهر أخطاء السلطة في السعودية. فهذا الشيخ على سبيل المثال مثله مثل العريفي وفتاواهم تقريبًا متشابهة (هذا قبل العملية الإصلاحية)، أما بعدها فيتم زج الشيخ الثاني في السجن، ويتم تكريم الأول، والمحافظة على مكانته في المملكة. أليس السبب هو مخالفة السلطة السياسية هناك؟ كل ذلك يضر بالمملكة العربية السعودية، وهي قرارات متناقضة، وليست عملية إصلاحية أبدًا. إن حصر الكنيسة في الفاتيكان في مرحلة النهضة في أوروبا لم يكن يعني أبدًا حبسها أو منعها من التفكير والترويج لأفكارها الدينية، بل كان عزلًا للكهنة عن السياسة، ومنعم من استخدام نفوذهم الديني في التدخل لصالح السياسة. دومًا نعاني نحن العرب من فهم خاطئ للتجارب الغربية في محاولات النهضة.

لا ينتهي نقدنا للسلطة الدينية والسياسية عند هذا الحد، بل لا بد من ذكر مثالين واضحين للنفاق السياسي. فصدام حسين على سبيل المثال يتم تصويره الآن على أنه بطل قومي. ونحن هنا لسنا في صدد محاكمة لصدام حسين، إنما نعرض التناقضات في الفتاوى فقط. صدام حسين هو رجل بطل عندما قاد حرب ضد إيران ومن بعدها ضد الولايات المتحدة بعد عاصفة الصحراء، أما عندما هاجم الكويت، فهو مجرم حرب بحسب الفتاوى التي أصدرها العلماء في السعودية، ومنهم صالح الفوزان، ففي حديث له مجّد صدام حسين لحربه مع إيران ولمحاربته الصليبيين، يقصد الأمريكان، ولكنه لا ينتقد أبدًا العلاقات التي تجمع بلاده مع أمريكا. وكذلك الأمر بالنسبة لإسامة بن لادن، الذي كانت منابر السعودية تعج باسمه والدعاء له واعتباره رمزًا من رموز الأمة الإسلامية عندما كان يقاتل السوفييت في أفغانستان، أما عندما انتهت المصلحة وانتهت صلاحيته (نقصد صلاحيته للولايات المتحدة الأمريكية) تحول هذا الرجل إلى أخطر إرهابي في العالم.

ويدور نقاش واسع النطاق حول الحفلات الموسيقية في السعودية ودور السينما، فبينما كانت حرامًا مطلقًا أصبحت حلالًا بشرط عدم التمايل والرقص.

إن هذه الأعمال الإصلاحية تتعلق بالقشور في بنية المجتمع السعودي وعندما نتحدث عن عمليات إصلاحية، فلابد لنا من التحدث عن المساواة والحرية والعدالة. الانتخابات الحرة والتمثيل الشعبي في السلطة السياسية المساواة بين الأمراء وعامة الشعب. وعدم التفريق بين الشعب على أساس ديني أو عرقي. فإذا ما قرر علماء السلطان الابتعاد عن النفاق فلا بد لهم من الدعوة لهذه الإصلاحات الحقيقة والتي تشمل كافة أركان المؤسسات السعودية والمجتمع السعودي، وأن يخضع الجميع لسلطة القانون، القانون وحده الذي ينظم روابط الناس لا حسبهم، ولا نسبهم، فالناس سواسية كأسنان المشط بحسب قول رسولنا الكريم.

على علماء الدين أن يناوأ بأنفسهم عن مثل هذا النفاق ويبتعدوا عن مثل هذا السجال.

إن السلطة الدينية بأركانها المتمثلة في الكهنة المتأسلمين تعاني من نفاق سياسي مستمر، وتوظف النص الديني لخدمة السلطة السياسية، وهو أمر يضر بديننا الإسلامي، ويضر حتى بالعملية الإصلاحية التي يزعم ولي العهد السعودي أنه يقودها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد