على مدار التاريخ تمتعت فلسطين بخواص جغرافية ومناخية ودينية وسياسية قلما تمتعت بها دولة بحجمها، أرض لم تعرف الهدوء يومًا، على عكس ما يشار لبعض الدول العربية بأنها بلدان متعددة طائفيًا يمكن وصف فلسطين بالبلد المتعدد دينيًا، فلسطين هي الأرض التي ولد فيها السيد المسيح الذي يتبعه مليارات البشر اليوم، وهي مسرى نبي المسلمين محمد ومعراجه إلى السماء، حوالي المليار ونصف المليار إنسان يتبع دين هذا الرجل العربي الأمي، يقول المسلمون إن القدس بوابة السماء وأرض المنشر والمحشر، فيما يعتقد مسيحيو العالم المؤمنون ويشاطرهم ذلك اليهود أن نهاية العالم ستكون في هذه الأرض.

ينظر في الديانات السماوية الثلاث من ناحية تاريخية أن من يحكم فلسطين عمليًا يحكم هذا العالم، حيث تعاقب على حكمها دول وإمبراطوريات من هذه الديانات السماوية الثلاث، آخر من حكمها هم الأتراك المسلمون الذين حكموها ما يقرب من 420 عامًا عبر الخلافة العثمانية انتهت عام 1917 لتبدأ الحقبة البريطانية التي حكمت البلاد 30 عامًا انتهت عام 1948.

للأتراك بصمات واضحة يعرفها سكان هذه الأرض جيدًا من مسلمين ومسيحيين ويهود، لبريطانيا أيضًا بصمات واضحة في فلسطين ليومنا هذا اختتمت بنكبة للشعب الفلسطيني واحتلال يهودي ما زال جاثمًا على الأرض الفلسطينية بمسمى سياسي حمل اسم الحركة الصهيونية كان رائدها اليهودي ثيودور هرتزل الأب الروحي لدولة إسرائيل، ينظر في إسرائيل لهرتزل تمامًا كنظرة علمانيي الدولة التركية لأتاتورك وإسلاميي الجمهورية الإيرانية للخميني، ما بين الاحتلال الصهيوني عام 1948 الذي سيطر على ما مجموعه 78% من مساحة فلسطين التاريخية واكتماله عام 1967 ليسيطر على ما تبقى من الـ22% من مساحة فلسطين التاريخية بما فيها القدس خضعت الضفة الغربية والقدس للحكم الأردني، فيما خضع قطاع غزة للحكم المصري.

لم تكن العلاقة جيدة ما بين هذين الحكمين المتنافرين والحركة الوطنية الفلسطينية والتي هيمن على فكرها السياسي مفاهيم عابرة للأقطار، كانت فلسطين مسرحًا للأحزاب الشيوعية وحزب البعث والإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، لم تكن فكرة الوطنية الفلسطينية المجردة عن انتمائها العربي أو الإسلامي أو حتى الأممي الشيوعي حاضرة، فكرة الوطنية الفلسطينية الصرفة كانت مستبعدة تمامًا عن الفكر السياسي الفلسطيني ما بعد خروج الأتراك من البلاد.

عملت الأحزاب الفلسطينية ونادت وأكدت منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال البريطاني أوائل العشرينيات أن فلسطين هي سوريا الجنوبية وجزء لا يتجزأ من سوريا الطبيعية الكبرى أو ما يمكن تسميته تاريخيًا بلاد الشام، ستثير هذه النقطة حساسية مفرطة بعد عقود بين حافظ الأسد وياسر عرفات اللذين لم يطِق أحدهما الآخر قط وكلاهما في ذمة الله الآن.

بعد الإضراب الشهير والثورة الفلسطينية الكبرى التي استمرت ثلاثة أعوام من عام 1936-1939 بدأت تختمر بشكل جزئي فكرة الوطنية الفلسطينية لكنها لم تلقَ صدى واسعًا وسرعان ما خبت، يمكن القول إن بعض القوى الفلسطينية التي تحالفت بشكل أو بآخر مع بريطانيا مالت أكثر للقطرية الفلسطينية الصرفة، كانت هذه القوى التي كان أبرزها حزب آل النشاشيبي قد نادت لكن ضمن ما يمكن تسميته اليوم بالحكم الذاتي أو الحكم بالوكالة عن الاحتلال مقابل امتيازات وحقوق لا تقود إلى استقلال كامل.

على أية حال نجحت هذه القوى بضرب الثورة الفلسطينية الكبرى وإنجاح الثورة المضادة تمامًا مثل نجاح الثورات العربية المضادة اليوم ضد ثورة الشباب التي نادت بإسقاط أنظمة الاستبداد إلا أن الغلبة كانت للثورات المضادة التي أغرقت بالمال الكبير وساعدتها ظروف وعوامل دولية وإقليمية على النجاح، ما حدث في بعض البلدان العربية اليوم مثل مصر وليبيا حدث مع الفلسطينيين أواخر الثلاثينيات مع فارق أن الفلسطينيين حاربوا احتلالًا خارجيًا متمثلًا ببريطانيا العظمى فيما حارب الشباب العربي احتلالات داخلية على شكل حكومات تقودها مافيا المال والأعمال والعسكر.

الإخوان المسلمون والشيوعيون وحركة فتح

بعد احتلال فلسطين عام 1948 وهزيمة الجيوش العربية وعلى رأسها الجيش المصري يمكننا القول إنه لم يعد هناك حزب فلسطيني واحد يحمل فلسطين كقضية أولى يناضل من أجلها، أسست جامعة الدول العربية ما عرف بحكومة عموم فلسطين في غزة برئاسة حلمي عبد الباقي وقوبلت باعتراض أردني حاد، فيما أعلن عام 1950 في ما عرف بمؤتمر أريحا بقيادة الشيخ محمد علي الجعبري وشخصيات فلسطينية عن توحيد الضفتين الشرقية والغربية تحت حكم الأردن وتم مبايعة الملك عبد الله ملكًا على الأردن وفلسطين حتى قرار الملك حسين فك الارتباط مع الضفة الغربية عام 1988.

قاتل الإخوان المسلمون وسرعان ما تحولوا إلى حمل وديع بعد انتهاء الحرب وتم التعامل معهم بشكل سياسي ومخابراتي محكم من قبل السلطات الأردنية التي تولت إدارة الضفة الغربية بعد عام 1948 والعلاقات لم تصل حد التصادم أو التوتر الكبير بين إخوان الأردن والسلطات ليومنا هذا، فيما تم إخماد وقمع أي صوت لإخوان غزة التي سيطرت عليها الإدارة المصرية كجزء من حالة القمع والإقصاء التي مارسها النظام الناصري ضد إخوان مصر بعد اتهامه لهم بمحاولة اغتياله في حادثة المنشية الشهيرة.

وبكل الأحوال الفكر الإخواني فكر أمة وليس فكر وطن أو حدود جغرافية معينة، لا يتناسب هذا المنظور الفكري مع حجم المأساة الفلسطينية أو وضعها كبند من أجندة كبيرة وكثيرة يسعى الإخوان لتحقيقها، فيما قمع النظام الأردني بشدة الشيوعيين الفلسطينيين بالقتل والتعذيب والاعتقالات الممنهجة تمامًا بالوسيلة نفسها التي استخدمها عبد الناصر مع الإخوان المسلمين، فتم التفكير بإنشاء تنظيم أو حزب سياسي فلسطيني يعتبر فلسطين همه الأول والثاني والأخير، فكانت حركة فتح التي تم إنشاؤها من خليط من الإخوان والبعثيين والشوعيين والتحريريين الفلسطينيين في القاهرة، يختلفون فكريًا بشكل حاد لكن جمعتهم القضية الوطنية الفلسطينية.

ابتدأت هذه النواة الأولى على شكل جسم طلابي، تم محاربة هذا الجسم وهذه النواة من قبل الأنظمة العربية المحيطة حتى النظام الناصري، كان للعناصر المحسوبة على تنظيم الإخوان المسلمين الأعداء اللدودين لعبد الناصر دورٌ مركزي وريادي في تشكيل هذه النواة وأبرز هؤلاء العناصر الذين تحولوا لكبار قادة فتح والحركة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات وصلاح خلف وخليل الوزير، فيما سيخلف عرفات بعد قتله مسمومًا محمود عباس الشيوعي أحد أبرز قادة فتح ورئيسها ليومنا هذا.

اختمار فكرة فتح التي ارتبط اسمها بعرفات

في أواخر الخمسينيات تم اختمار فكرة فتح وهي اختصار «حركة تحرير فلسطين» حتف لكن تم قلبها لتصبح فتحًا، يعتقد البعض أن كلمة فتح هي من القرآن الكريم «فتح من الله ونصر قريب»، عرف عرفات بتدينه وتقشفه وزهده حتى اللحظة الأخيرة قبل وفاته التي قضاها في مقره في رام الله وفي كل تاريخ حياته، شهد لعرفات بذلك كل من عرفه وعمل معه من كل العالم والعالم العربي خصوصًا القوى اللبنانية رغم الاتهامات الكثيرة التي وجهت له بإيواء واحتواء قادة الثورة الفلسطينية من الفاسدين وهو على علم بذلك وكان يغض الطرف لغاية في نفسه علمًا أنه مات ولم يوجد له أو معه فلس واحد. هذا ما أكدوه في شهاداتهم في برنامج الحرب الأهلية اللبنانية وبرنامج حكاية ثورة اللذين أنتجتهما قناة الجزيرة ويعتبران من أروع ما تناول القضية الفلسطينية بكافة أبعادها وثائقيًا.

كان عرفات متدينًا لكن متسامحًا، يروى أنه قرر القتال في بيروت بعد أن صلى صلاة الاستخارة التي غالبًا ما يلجأ إليها المؤمنون قبل أي قرار مصيري، كان اليسار الفلسطيني ينظر لفتح كتنظيم يميني أقرب للتنظيم الديني، هوجم عرفات كثيرًا من مثقفي اليسار الفلسطيني والعربي، على المقلب الآخر كان عرفات داهية سياسية وتكتيكية وتنظيمية فريدة ورغم عدم شهوته المال إلا أنه كان يهوى السلطة.

كان متسامحًا مع معارضيه من كل القوى لكن ليس متسامحًا مع معارضيه داخل مطبخ القرار الفتحاوي أو داخل فتح نفسها، قال جبريل الرجوب عضو مركزية فتح ذات مرة إن عرفات «لا يطيق أن يرى صورته في المرآة» في إشارة أنه لا يطيق رؤية عرفات آخر، يقول بشير البرغوثي أبرز الزعماء الشيوعيين الفلسطينيين والذي يعرف عرفات منذ نعومة أظفاره في القاهرة إن عرفات «كان يقوم بخلق الفتن والمشاكل بين الأصدقاء الصغار في الحي الذي يقطنه وكان هو من يصلحهم وهو بذلك يكون القائد والزعيم».

كان عرفات طوال تاريخه يخلق الانشقاقات والخلافات داخل القوى الفلسطينية لحسابات سياسية داخلية تتعلق بمنظمة التحرير التي بقي رئيسًا لها حتى وفاته وما زالت فتح تهيمن عليها ليومنا هذا، كان عرفات يجيد اللعب على الحبال والشد والرخي، لكنه جابه انشقاقًا كبيرًا في حركته في لبنان كاد أن يطيح به وبفتح بدعم سوري ليبي، لكن خرج من هذه المحنة سليمًا ومعافى.

عرفات يجيد الخطابات الحماسية والعاطفية ليس قولًا فقط، بل ممارسة على الأرض فعرفات قبل إقدام مصابين بالانتفاضة الثانية في غزة، كان يمشي ويتجول بين الناس في الحرب اللبنانية وكان يعيش مثل أي مقاتل برتبة جندي، خاض عرفات معارك سياسية وعسكرية كبيرة طوال حياته من حرب الكرامة إلى سيطرته على منظمة التحرير التي أسسها العرب وقام بتحويل ميثاقها من القومي إلى الوطني، إلى حرب أيلول وحرب لبنان، وقلب فكرة الوحدة طريق العودة إلى فكرة العودة طريق الوحدة، والانتفاضتين الفلسطينيتين، ومؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو وموقفه من حرب الخليج الثانية عام 1991، واصطفافه إلى جانب العراق بما يمثله وليس صدام حسين بشخصه كما يحاول البعض بغير قصد ترويج ذلك، وقفت العراق بقوة إلى جانب عرفات وحليفه كمال جنبلاط في مواجهة إسرائيل والنظام السوري وحلفائهما من القوى المسيحية اللبنانية في الحرب الأهلية التي دارت رحاها في لبنان.

فتح بعد عام 1993 ليست فتح ما قبلها، لقد تحولت إلى حزب السلطة، من العمل السري إلى العمل العلني الأقرب للنقابي والحزبي، اتهمت كثيرًا بأنها تحولت من حركة ثورية إلى طبقة كومبرادورية تعمل دور الوسيط بين الاحتلال والشعب عبر السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح، لكن فتح في الانتفاضة الثانية خاضت معركة ضارية مع إسرائيل لا تقل عن شراسة معاركها في الأردن ولبنان والتي انتهت بقتل زعيمها عرفات مسمومًا عام 2004.

رغم كل ما يثار ويقال عن حركة فتح إلا أنها ما زالت تعتبر المحرك الأول للشارع الفلسطيني على كافة الأصعدة، وهناك مقولة دارجة في الشارع الفلسطيني «إن صلحت فتح صلح الشارع الفلسطيني وإن فسدت فسد الشارع الفلسطيني» والمقصود بالشارع هو القوى الفلسطينية بكافة أطيافها، يطلق على فتح في الشارع الفلسطيني اسم حزب السلطة في إشارة لسيطرتها على كافة مفاصل السلطة الفلسطينية، واجهت فتح أكبر إخفاقين وامتحانين صعبين هما الانتخابات الفلسطينية عام 2006 التي هزمت بها، وسيطرة حماس على غزة عسكريًا في العام التالي، وبكل الأحوال يمكن بالمجمل اختصار فتح عبر كل تاريخها بالشكل الآتي: فتح عبارة عن مجلدين كبيرين متجاورين على الطاولة ذاتها، الأول مجلد يمكن للفتحاويين الافتخار والاعتزاز به، وأما المجلد الثاني فهو على النقيض، ولأي باحث أن يبحث في المجلد الذي يشاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد