ضنّ الإنسان بشقائه فرسم له من النائباتِ أسبابًا، لكن مع تقلُب الدهر ما رأى قط يومًا لهمه انفراجًا. ظنّ بالآلهة غضبى وظنّ بأقدارها اضطرابًا، ثُم كفرَ بها جميعًا، فهل هدأت نفسُه؟

ألزم نفسه الكَهانة وعزلة المحراب، لكن حُب الحياة لم يزل يعتمل في قلبه، فاضطرم داخله الصراع واللهيب. هل الإنسان عدو نفسه طوال الوقت؟ هل سر نجاته بداخله؟

منذُ فجر الإنسانية فطنَ الإنسان بأنه ليس مُحرك أقداره وحده، لكن هل كان عليه مُعاداتها؟ أو مداهنتها بقُربان الخوف والنبذ؟

الأقدار هي الشيء الوحيد الذي لم يصنع له الإغريق إلهًا يأتمر بزيوس رب الآلهة، بل أودوعوها “هيدس” أي العالم السُفلي، وكأنهم ينتبذون أقدارهم التي لا يتصالحون معها، فربّات الأقدار Fates يسكنّ مكانًا موحشًا في مملكة بلوتو، وهن قُساة مُتقلبات المزاج. ومن المصطلح الدارج Don’t tempt Fates أي لا تُثير الأقدار بكلمات قطعية كأنك تَضمن أن تُؤمّن لك ما تقول؛ كَقولك: “أبدًا” أو “للأبد”، ومن ثَمّ المقولة الشهيرة: Never say Never، فأنت لا تعلم ما تُخبئه لك الأقدار.

لماذا تفرّدت الأقدارُ إذًا بتلك المهابة المُخيفة، حتى أن رب الأرباب لا يقوى على التأثير عليها؟ ذلك لأن الميثوليجيا كُلها قائمة على خيال الإنسان الذي يُرجع نائباته إلى كائنات عُليا تَعبث به. حيث فَسروُا تقريبًا كُل ظاهرة طبيعية بأسطورة إلهية وحكاية خرافية، فاختلقوا لها آلهة يقدُمون لها القرابين، علّها تطيب لهم النية، لكنها مع ذلك لا تُبادلهم دومًا بالوفاء؟ وكأن الأقدار التي يجري بها الزمن أمرٌ آخر. فهم يغيضون الماء ويُشعلون النيران ويألبون الصواعق، لكن يفشلون في التحكم في أقدارهم ذاتها!

انظر إلى حكاياتهم وأساطيرهم المُتناقضة، التي لا تجد وصفًا لها أبلغ من أنها مأساة إغريقية “Epic” كما جرى التعبير والاصطلاح الدارج، وكأن هذه الفكرة هي لُب الميثولوجيا حقًا!

فعلى الرغم من مَشاهد عُروش الآلهة في جبل الأوليمب التي رأيناها في أفلام الأساطير مثل “جيسون وآلهة الحرب”، وهم يلعبون شطرنج من نوع خاص، طاباته البشر، في هزلية تليق باستخفافهم بمصير البشر، إلا أن أدباء الإغريق هم من هَزئوا بآلهتهم حقًا، فعلى رغم من كل هذا الجَبروت والخيلاء إلا أنهم لا يملكون إنقاذ أنفسهم من أنفسهم، حتى زيوس نفسه!

نجد زوجته “حيرا أو هيرا” تكيد له ولأبنائه من زوجاته الآُخريات، كما نجد هيرا نفسها ملكة الآلهة تُكبل بالأصفاد، وحين يحاول ابنها المُخلص إنقاذها الذي يُدعى “فالكان”، وهو إله النار والصناعة، يقذف به زيوس فيسقط ويصبح أعرج! المُثير أن أمه هيرا لا تتعاطف معه ولا تهتم لأمره، فينتبذ أسفل جبل “إطنة” صانعًا كيرًا عظيمًا تضطرم فيه معادن الأرض.

بالطبع لا ينسى خيانة أمه، فيصنع عرشًا ذهبيًّا لها لكن من “نوع خاص”، حالمًا جلست عليه، أطبقت عليها كلّابات حديدية انغرزت في جسدها في كل مكان. لم يقدر أحد على إنقاذها حتى زيوس نفسه! فأي إله هذا وأي جبروت واهٍ وهو ملك الآلهة؟! المهم يبعث زيوس بـ”هرمز” رسول الآلهة إلى “فالكان” يستعطفه لفك أصفاد أمه. يرفض فالكان. فيلجأ آلهة الأوليمب لخدعة “بشرية” ويبعثوا إليه بإله الخمر الذي يسقيه “خمر الآلهة”! تنجح تلك الحيلة كما هو مُتوقع، ويذهب تحت تأثير الخمر لجبل الأوليمب ويحرر أمه أخيرًا.

هذه عينة بسيطة من التناقضات الأسطورية التي لا تخلو من سخرية وتسلية، ربما من عوامل جذب حكايات الإغريق.

ومن هذا المُنطلق نجد أن حكايات الإغريق وخرافاتهم على ما تحتويه من وثنية صارخة، إلا أنها في جوهرها مُجرد حكايات خيالية عن كيانات سلوكها بشري خالص لكن قواها خارقة، فهذا هو التَصور القاصر لأهل أثينا “آلهة الحكمة”! التي وُلدت من دماغ زيوس! وربما كان للحكُام يد في تعزيز تلك الأساطير والخرافات وصرف الشعب للتلّهي بعبادة الآلهة المُتقلبة المزاج، والإسراف في بناء معابدها وتقديم القرابين لها.

لكن ما مَنح تلك الخُرافات الاستمرار هو الفن. فبينما انحسرت تلك الديانات للعدم من قديم الزمان، بَقيت إبداعات مَثَّالين اليونان ومعمارهم المتميز. كما وثقها الأدباء في ملاحم شعرية تركت أثرها الأدبي واللغوي عبر العصور، مثل هومر وهو أشهر أدباء الإغريق مؤلف الإلياذة والأوديسا، وفيرجيل مؤلف الإنيادة وأوفيد مؤلف Metamorphosis أو التحولات، وهم من الأدباء الرومان الذين استوحوا نفس الآلهة ربما مع بعض التغيير في أسمائهم.

فتجد أثر الميثولوجيا الإغريقية ضاربًا في جذور الأدب بدءًا من جحيم دانتي، مسرح شكسبير، فردوس ميلتون المفقود، ملحمة جويس يوليسيس، سيزيفيس ألبير كامو، أشعار مدرسة أبوللو المُسماة على اسم إله الموسيقى والأدب والفنون، وصولًا إلى مُغامرات بيرسي جاكسون وآلهة الأوليمب لريك ريوردان، و”مثل إيكاروس” للمُبدع دومًا أحمد خالد توفيق.

حتى إنها تركت أثرًا بالغًا في اللغة اللاتينية ومن ثم الإنجليزية، فعلى سبيل المثال لا الحصر: Echo، هو اسم إحدى الحوريات التي عَمد إليها زيوس لتتشتت انتباه هيرا عنه لغَيرتها الشديدة، بأن تُشغلها بأحاديثها الطويلة، حين كشفت هيرا أمر خداع إيكو، لَعنتَها أن لا تتحدث مُجددًا وأن تُردد فقط كل ما يقوله الآخرون. ولهذا فإن إيكو تعني “الصدى”. بالطبع لم يُنقذها زيوس مع أنه سبب لعنتها، فكما قلنا زيوس يستغل الظروف لصالحه ولا يتسم بالعدل دومًا. وربما نَصبوه رب الآلهة لأنه واسع الحيلة!

وفي الطب والجغرافيا: Atlas هي أولى الفقرات العُنقية التي تحمل الدماغ أو الجمجمة العظمية، وفي الميثولوجيا أطلس هو أحد العمالقة الذي يحمل العالم فوق كاهله، وقد أعتقه برسيوس من مهمته الشاقة بأن أراه رأس ميدوسا فتحرر من حمله، وتحول إلى أحجار عظيمة هي جبالُ أطلس كما تقول الأسطورة.

ينبغي هنا أن أُطري دريني خشبة، الذي قدم إلى العربية كتابه القيم “أساطير الحُب والجمال عند الإغريق” الصادر عن دار الهلال، وهو من أجمل الكتب الوافية عن الميثولوجيا الإغريقية، التي حكاها دريني خشبة في قالب الحكاية الممتع المُسترسل، عوضًا عن السرد الأكاديمي أو التاريخي المُصمت. وقد قامت دار التنوير اللبنانية بإعادة نشره في جزئين في نسخة جديدة جميلة النسق.

ويبقى التساؤل في قراءتك لخُرافات الإغريق: من كانوا يُحاربون فعلًا، آلهتهم أم أقدارهم؟

فإذا كانت آلهتهم لا تصنع أقدارهم بشكل مُطلق، فهي لا تتحكم بأقدارها ذاتها! هل ما يُحاربونه حقًا هو جهلهم إزاء تلك الأقدار؟ قلة حيلتهم أمام المجهول والخوف الهائل منه في بداية طريقهم لاكتشاف الأكوان من حولهم؟

لا سبيل لسبر أغوار القدر، لا سبيل لضمانه فهو ليس إلهًا تُقدم له القربان وليس بللور كريستالي تطلبه لدى العراف. إن القدر والزمن مَطية الإله الحق الذي ليس كَمثله شيء، الإله القادر العادل، الذي ليس له شريكٌ في الملك، لا ولد له ولا صاحبة، سُبحانه مُتفردٌ بعليائه، أحدٌ في سلطانه، أولٌ قبل الوجود، لم تَسبقه فوضى* ولا يليه أحد.

ليس له مَعبد ولا كُهّان، ولا قُربان، فمَعبده الوحيد: قلبك، والقربى له: دعائك. فإذا كانت الأقدار بيدي إله عادل يحكم بالقسط، هل كُنتَ لتخافها؟ كُنت لتخافه هو. نعم فالخوف من الله واجبٌ وحق. لكن كونه رحيمًا حليمًا يجعل مَخافتك مشوبة بالحب والأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

*الفوضى أو Chaos هو حال الكون الأول عند الإغريق، وهي حالة فوضوية من الظلام فَسمّوا إلههم الأول "كيوس أو Chaos"!
عرض التعليقات
تحميل المزيد