بعد شتاء صعب على أنقاض موجات التصعيد الكثيرة، توقع المهتمون بشؤون الشرق الأوسط أن تدفع حركة حماس الإسلامية باتجاه هدنة طويلة المدى مع حكومة الاحتلال لاستعادة أنفاسها وإعادة النظر في مسارها السياسي على الساحة الفلسطينية من جديد، في ظل استعدادها لخوض غمار انتخابات جديدة، إلا أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا عن بنود خطته للسلام بعثر كل الأوراق، وفتح الباب على مصراعيه أمام كل الاحتمالات والتأويلات على اختلافها وتناقضها فيما بينها.

جدير بالذكر أن الصفقة الأمريكية التي باركتها الحكومة الإسرائيلية لم تفاجئ أيًّا من الفصائل الفلسطينية المقاومة؛ إذ فقد الفلسطينيون الثقة في حيادية واشنطن منذ اعتلاء ترامب لسدة الحكم في 20 يناير (كانون الثاني) من العام 2017؛ نظرًا إلى انحيازه الواضح للجانب الإسرائيلي على حساب الشعب الفلسطيني المضطهد.

هذا وقد دعت السلطة في رام الله بعد سويعات من الإعلان عن صفقة القرن كل الأطياف السياسية بفلسطين للتوحد من أجل رد مزلزل في مستوى تطلعات الشعب.

ساند الشارع الفلسطيني في مجمله موقف عباس، لما تنطوي عليه كلماته عن حكمة ورصانة من شأنها أن تدفع نحو مزيد من  التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، التي ما زالت إلى يومنا هذا تنتظر تسوية تضمن حقوق الشعب الفلسطيني.

أبدت حماس ترحيبًا غير مسبوق بتصريحات الرئيس أبو مازن، إذ أكدت قيادات الحركة الإسلامية في كل اللقاءات الإعلامية عن استعدادها اللا مشروط للجلوس على طاولة الحوار مع ممثلي حركة التحرير الفلسطيني فتح، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت العديد من الخبراء يقرون بصحة الاتهامات الموجهة لحماس بعدم الجدية وعدم رغبتها في إنهاء الانقسام.

من جهتها، فقد عاشت قيادات فتح السويعات الأولى قبل خطاب أبو مازن في حالة تأهب قصوى، فقد أشارت العديد من التقارير الإعلامية، نقلًا عن مصادر مقربة من الحركة، أن القيادات الفتحاوية كانت متخوفة من قيام حركة حماس بأي خطوات تصعيدية جديدة، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، من شأنها أن تؤثر سلبًا في وقع خطاب الرئيس بمجلس الأمن الذي يلقيه على الدول الأعضاء.

أحد قيادات الصف الأول داخل فتح اتهم حماس بالأنانية السياسية قائلًا إن «القيادة الحمساوية، وعلى عكس ما تحاول ترويجه، لا تلقي بالًا لوحدة الصف الفلسطيني وما سيبعثه من رسائل طمأنة للمواطن البسيط؛ إذ لا يقتصر تفكير هذه القيادات – مع الأسف – سوى على المصالح الحزبية الضيقة التي ستدفع حتمًا نحو إشعال الأوضاع في البلاد».

على عكس حماس التي لا تريد الظهور مهزومة خاضعة للإملاءات من السلطة في رام الله، تحاول حركة التحرير الفلسطيني (فتح) تهدئة الأوضاع في الجبهة من أجل منع الانزلاق نحو سيناريوهات الفوضى والعنف، التي تنتظرها إسرائيل على أحر من الجمر؛ حتى تحكم سيطرتها على الضفة الغربية تحت مسمى الدفاع الشرعي عن رعاياها من التهديد الفلسطيني.

بين المصالح الفئوية والحسابات السياسية الضيقة، يبقى الخاسر الأكبر هو المواطن الفلسطيني الذي تلاحقه لعنة أعداء الخارج وأعداء الداخل على أرض فلسطين، التي ملّ سكانها رائحة الموت، فمع انتهاء كل موجة تصعيد مع قوات الاحتلال  يُدفن الصغار والكبار، الشيب والشباب  في جنائز جماعية ، مشهد يضيع فيه منكر ونكير وتبدأ كوميديا إلهية من نوع خاص.

مشهد كهذا ليس إلا قطرة في بحر من المشاهد الأخرى التي تدفع الفلسطنيين إلى فقدان أي ثقة ما زالوا يمتلكونها في قدرة المجتمع الدولي على تحسين واقعهم البائس ولو نزرًا قليلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد