غادر جسد الدكتور محمد فتحي عثمان دنيانا في الحادي عشر من سبتمبر 2010 بعد رحلة طويلة من الجهاد المتواصل في أرض الله الواسعة، من أجل بعث إسلامي جديد يعيد الحياة للحضارة الإسلامية، لكن روحه المؤمنة الطاهرة، وفكره الإسلامي النير سيظل معنا طويلًا في جهادنا من أجل حضارة إسلامية تحقق الشهود الحضاري للمسلمين والعدل والسلام للعالمين.

 

لقد فقد عالمنا الإسلامي بموت الدكتور محمد فتحي عثمان عالمًا جليلًا، ومفكرًا كبيرًا عاش مجاهدًا بفكره في سبيل بعث جديد للمسلمين يعيدهم إلى رشدهم، ويهيئهم لتبوّء مكانتهم بين العالمين، ويعيد للإسلام دوره في الحياة دينًا للواقع يعيد صياغة الإنسان ليكون جديرًا بالاستخلاف في الأرض.

 

وهذا المقال محاولة أولية للتذكير بفضل عالمنا الراحل، والتذكير بأهمية التوفر على مدارسة فكره ومؤلفاته ومسيرة حياته للاهتداء بها في سيرنا وكدحنا في سبيل نهضة راشدة تجدد الدنيا بالدين.

 

سيرة موجزة

ولد الدكتور محمد فتحي عثمان في محافظة المنيا جنوب مصر في 17 مارس من عام 1928م. وحصل على ليسانس الآداب في التاريخ من جامعة القاهرة، وليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية، ثم ماجستير الآداب في التاريخ عن العلاقات الإسلامية البيزنطية، ودرجة الدكتوراه من جامعة القاهرة تاريخ الحضارة والنظم الإسلامية، والدكتوراه في دراسات الشرق الأدنى من جامعة برنستون الأمريكية.

 

الأعمال التي تولاها

شارك الدكتور محمد فتحي عثمان في التخطيط لجامعة الأزهر في تنظيمها الجديد 1961-1962 واضطلع بالتدريس في جامعات وهران (الجزائر) والرياض (السعودية) وبرنستون (ولاية بنسلفانيا – الولايات المتحدة الأمريكية، تمبل – فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة أيضًا) وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض (السعودية).

 

كما ترأس هيئة تحرير مجلة أرابيا التي كانت تصدر في لندن من عام 1981 إلى عام 1987. وبعدها استقر بالتدريس في أمريكا فعمل مع جامعات عديدة ومركز الحوار الإسلامي المسيحي ومؤسسة عمر بن الخطاب.

 

مؤلفاته

للفقيد الراحل مؤلفات عديدة ومتنوعة بالعربية:

  • الفكر القانوني الإسلامي.
  • التاريخ الإسلامي والمذهب المادي في التفسير.
  • الحدود الإسلامية البيزنطية بين الاحتكاك الحربي والاتصال الحضاري.
  • من أصول الفكر السياسي الإسلامي.
  • الدين للواقع.
  • الدين في موقف الدفاع.
  • الفكر الإسلامي والتطور.
  • القيم الحضارية في رسالة الإسلام.
  • آراء تقدمية من تراث الفكر الإسلامي.
  • دولة الفكرة.
  • عبد الحميد بن باديس وجهوده الإصلاحية.
  • السلفية في المجتمعات المعاصرة.
  • الفرد في المجتمع الإسلامي.
  • مع المسيح في الأناجيل الأربعة.
  • أضواء على التاريخ الإسلامي.
  • مدخل إلى التاريخ الإسلامي.
  • حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي.
  • الإسلام وتحديد الملكية.
  • الخبرة السياسية للحركات الإسلامية المعاصرة.
  • التعددية السياسية.

 

من مؤلفاته بالإنجليزية:

  • أبناء آدم.
  • الآخر.
  • مفاهيم القرآن – قراءة تصنيفية توضيحية.
  • الجهاد.
  • العالم الإسلامي – القضايا والتحديات.
  • المرأة المسلمة في الأسرة والمجتمع.
  • الشريعة في المجتمع المعاصر.
  • حقوق الإنسان في العالم المعاصر: مشاكل للمسلمين ولغيرهم.
  • الإسلام في الدولة الحديثة: الديموقراطية ومفهوم الشورى.
  • التعددية.
  • رسالة إلى المسلمين في أمريكا.

 

من ترجماته:

  • الفكر الجغرافي عند المسلمين.
  • الإسلام وتوازن المجتمع.
  • القانون الدولي في الإسلام.
  • محمد في كتب اليهود.

 

هذا بخلاف مئات المقالات والحوارات باللغتين العربية والإنجليزية في الصحف والمجلات المختلفة والعديد من الأبحاث العلمية في الندوات والمؤتمرات، وهناك كتابين صدرا عنه: الأول كتاب من تحرير الدكتور عبد الوهاب الأفندي بعنوان بحوث مهداة إلى فتحي عثمان لإسهاماته في الفكر الإسلامي المعاصر (بالإنجليزية)، وكتبت عنه غادة عثمان (ابنته) كتاب بعنوان رحلة في الفكر الإسلامي: حياة محمد فتحي عثمان (نشر في أمريكا باللغة الإنجليزية).

 

من أقواله

– الدين انطلاق للحياة، والدين موعظة للعقل، لينطلق العقل المؤمن من بعد فيبدع إبداعه الخلاق، والدين شفاء للنفس حتى لا تعوق أزماتها قوى الإنسان الراكضة في الآفاق، والدين هدى ورحمة للفرد بكل طاقاته، وللمجموع البشري بكل أفراده حتى لا يستنزف الصراع المتخبط دون طائل قطرة دم، أو نفسًا من حياة، أو ذرة من مادة.

 

إن مقارنة العالم الآن بالعالم كما كان من خمسين أو سبعين سنة تظهر أنه تغير تغيرًا نوعيًا وكيفيًا هائلًا في جميع المجالات. وعلى وجه الخصوص فإن الحواجز التي كانت قائمة يومها كانت توحي لبعض الناس أنهم يستطيعون العيش وحدهم، كما عاشت الصين القديمة مدة طويلة، ولقد ظن كثير من المسلمين أنه يمكن أن توجد صين أخرى هي العالم الإسلامي، يشكلونه ليس فقط بالمثل والقيم التي يريدون، لأن القيم والمثل لا تتغير كثيرًا، وإنما أيضًا بتطبيقات الماضي وأفهامه وأساليبه.

 

من أهم الأمور أن نتعرف على زماننا وظروفنا وواقعنا المعاصر ونحن نتعامل مع كثير من القضايا المهمة والتي حصل تغير كبير اجتماعي واقتصادي متعلق بها، وسنظل نصاب بالكثير من الإحباطات إذا لم نعرف الوضع الصحيح للإنسان المسلم في ظروف الزمان والمكان.

 

ما لم نحدد منهجنا في فهم النص الذي نريد أن نطبقه فإننا سنظل ندور في فراغ ونحن نحاول أن نوفق بين الجزئيات، ولكن الفهم الكلي المنهجي لحقيقة الإصلاح الإسلامي سيظل غائبًا إذا لم يتضح في أذهاننا أن الأصل في هذا القرآن أنه أوحي به للأبد وللعالم، ولكن الله سبحانه وتعالى اختار ظرفًا معينًا وبيئة معينة لأول تنفيذ لهذا الكتاب، واختار رسولًا معينًا لأول تطبيق لهذا الكتاب، فيترتب على فهمنا للثابت والمتغير معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة سيرة حياته.

 

إن أول مشكلة في تاريخ المسلمين أنهم عاشوا فترة طويلة جدًا تقبلوا حكمًا يدعي الاستناد إلى الشريعة مع تجاهل حقوق الإنسان، ثم أخذوا يعوون على أن حقوق الإنسان أو كرامة الإنسان هي الأساس في هذه الشريعة.

 

العدالة السياسية وحدها لا تغني فتيلًا في شعب عامته من الجائعين المحرومين، فالعدالة السياسية وحدها لا تكفي إلا إذا كانت مقرونة بالعدالة الاجتماعية، والعدالة وحدها لا تكفي إلا إذا كانت إيجابية تعتنقها الدولة فكرة وعقيدة، وتحققها تشريعًا وتنفيذًا، وتحاسب عليها سياسيًا وقضائيًا.

 

إن الإنسانية في أمس الحاجة للحضارة الإسلامية المعاصرة، فحذار أن نحجبها عنها (بافتقاد المعاصرة) في تفكيرنا، وفي عرضنا لأفكارنا، وفي ظننا بأن ما نظنه هو الحق المقطوع به الذي لا يحتمل معه أي رأي أو أدنى خلاف. ويوم ننصف أنفسنا وعقولنا وحضارتنا، فإننا نمهد السبيل أمام هذه الحضارة لتخلص الناس من جراثيم (المادية) و(النمطية) و(الشيئية) و(السطحية) التي تكاد تقضي على (روح) الإنسان و(ذاتيته) و(كيفيته) المتفردة أو جوهره المتميز الأصيل.

 

فلنأخذ من الدين دفعة الحياة ثم نخوض به واقع الحياة ونخلق بفكر القرن الحادي والعشرين حضارة إسلامية للقرن الحادي والعشرين.

 

رسالته إلى الشباب

إن رسالتي إلى الشباب أن يتجنبوا ما وقعنا فيه ونحن شباب، بحيث يعلموا أن التطور الذي يستمر من عصر النهضة إلى اليوم ويقوم على الجد والعقلانية لا يواجه إلا بأقدار موازية من الجد والعقلانية والعمل المكثف الذي يرتكز إلى الكتاب والسنة ويتمحور حول الاجتهاد.

 

لذلك فإنني أرجو ألا يتمحور جهد الشباب حول وضع الكتب والأفكار القديمة في مظهر جديد وصورة جديدة، وإنما في إبداع كتب وأفكار جديدة، إنني آمل أن يتذكر الشباب دائمًا أننا لسنا بصدد إصدار قرآن جديد خالد وثابت، وليست تلك مهمتنا، وإنما مهمتنا أن نحدد ونخصص ونفرع لزمان ومكان معينين، وقد يظهر في اجتهادنا خطأ من جارنا القريب، وقد يظهر الخطأ فيه بعد خمس دقائق، لكن لا بد لكلمة الحق أن تقال مهما كان. فرضا الناس جميعًا غاية لا تدرك، ولا بد لكل كلمة تحدد حقًا وتفصل أمرًا وتمس مفصلًا من مفاصل تفكيرنا أن ترضي قومًا وتغضب آخرين.

 

لقد كان للدكتور محمد فتحي عثمان دوره المشهود وجهده المشكور في إيضاح صورة الإسلام الدين والحضارة بين العالمين من خلال كتاباته الكثيرة والمتنوعة حول الإسلام: تاريخه ونظمه وشريعته وقيمه الحضارية. كما كان لفقيدنا الراحل دوره المشهود في الذود عن الإسلام الدين والحضارة ضد تأويلات الجاهلين والمنحرفين من ناحية، والجامدين والمقلدين دون وعي من ناحية أخرى.

 

هذا بالإضافة إلى رؤيته الفكرية التجديدية العميقة للإسلام في عصرنا الراهن القادرة عندما تجد من يحملها ويطورها إلى مؤسسات راشدة على إعادة بناء ثقة الإنسان المسلم والأمة المسلمة في ذاتها واستيعاب روح عصرها وتوجيه مصيرها على أسس الإسلام الخالد كخطوة أساسية لإعادة بناء حضارة إسلامية جديدة عميقة الجذور في تربة الإسلام النقية وشديدة الارتباط بقضايا عصرنا الراهن وواقع الإنسان المعاصر.

 

رحم الله الدكتور محمد فتحي عثمان رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين والإنسان بعامة كل خير.

 

فقد قال كلمة الحق وصدع بها، وعلم الحق والتزمه سيرة ومسيرة، فصار بحق جسرًا حقيقيًا بين الإسلام والعصر  وبين الإسلام والغرب، ومثل صوت العدل والاعتدال الإسلامي، وتملّك القدرة على إظهار معنى شمول الإسلام كنظام حياة متكامل يفجر ينابيع الخير والعطاء وينشر مساحات النور والضياء ومعاني العدل والرحمة بين الناس في كل مكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد