في ليلة حكت لي أمٌ عن أمر ما قد أساءها يخص بناتها، ووجهها يشوبه الخذل ويملؤه القلق، تقص أنها اكتشفت شيئًا لم تكن ترغبه، وعقب سؤالي عن ذاك الأمر، قالت إنها بالصدفة علمت أن بناتها اللاتي تترواح أعمارهن بين الثامنة إلى الثانية عشرة يشاهدن مسلسلًا هنديًا مع صديقاتهن اللاتي تسكنّ في الدور العلوي عندهن!

فقط، وذلك هو كل الأمر!
 

هي أم ليست منغلقة  فلا تجاري وتتعايش مع عصرها! بل هي أمٌ تخشى على جزء من كيانها، بل كيانها بأكمله، يذيبها الشوق لأن يصير أبناؤها أبهى الأشخاص وأعظمهم.
 

فاعتقدت هي وزوجها أن الحماية بالغلق والصد والهرب، ولذلك اتفق الأبوان على أنه من الأنسب أن يصدوا ويغلقوا بقدر ما يمكن المنافذَ التي تمكن أولادهما من التعرف على ثقافات أخرى وعادات وسلوكيات تختلف أو قد تكون شديدة الاختلاف عما تكونوا به، وصفات بخلاف ما يحاولون اتسامهم به.

 
ما أعظم المسئولية الملقاة على عاتقيكما أيها العظيمان، ولكن يا ترى هل من الأنفع لأولادكما أن تنظروا لتعليمهم وتربيتهم من خلال منظوركم أنتم أم بمنظورهم هم؟ وهل تظنون أن ذلك القرار الذي سلكتموه هو الأنفع أم هو الأسرع والأقل جهدًا؟

 

 

 
سادتي، أنتما تعلمان جيدًا أننا نعيش الآن في واقع غني بالثراء المعلوماتي الذي يهب علينا من كل ركن بإرادتنا أو كارهين، ونحيا في ظل العديد من التناقضات الفكرية

 

 

 

 

وإن كنتم قد قررتم الصد عنها، فليس ببعيد أن ينفتح أولادكم على ذلك التدفق عاجلًا بحكم تعليمهم أو أنشطتهم أوعملهم التي حتمًا تتطلب في جانب من جوانبها الاتصال المنفتح بوسائل الإعلام، وحينها في رأيكم كيف يتصرف أولادكما تجاه صدمة الانفتاح على ذلك العالم الذي يفرض وجوده على الجميع؟
 

 

إن كلمة سر الحماية سادتي تكمن في التمكين.
 

 

 

التمكين أي إعدادهم لأن يكونوا متلقين إيجابيين، يحددون ويحللون النافع من غيره، الخيالي من الواقعي، فهم ينقحون ثم يقتنصون ما ينفعهم وينصرفون عما دون ذلك.
 

 

 

وللتمكين أداتان، أولاهما أن تكونوا أنتم في تعاملكم وسائل الإعلام كما ترغبون أن يكونوا، وآخرتهما هو أن تشاركوهم أثناء تفاعلهم مع الوسيلة الإعلامية وأن تحاوروهم وتفتحوا نقاشًا بينكم وبينهم.
 

 

إليكم سادتي مشهدًا في حياة مَلَك “شبه المحمية بالمنع”، وآخر في حياة مريم “المتمكنة”.
 

 

 

مريم وملك طفلتان في العاشرة من عمرهما، تعشقان مشاهدة الأفلام. في بيت ملك كان يوجد التلفزيون، ولكن قد أتم أبوها بيعه منذ سنوات، وكذلك بالطبع لا يوجد إنترنت، لرغبة الأبوين في عدم إطلاع مريم وأخواتها على المحتوى السيء الذي يُبث خلاله فقرروا الهرب!
 

تنتظر ملك بفارغ الصبر أي لحظاتٍ تجمعها بمشاهدةٍ ممتعةٍ لفيلم ما حتى لو لدقائق قليلة، فيدفعها ذلك أحيانًا حين الرجوع من المدرسة إلى المنزل، إلى الوقوف بالعشرات من الدقائق لتتفرج على فيلم يوجد في تلفاز القهوة أسفل بيتهما، وهي واقفة على بعد خطوات بخارج القهوة،

 

 

 

 

يا لها من لحظة ممتلئة بالمتعة فتشاهد بكامل حواسها ولا تنتبه لما يتم تناوله فتأخذ كل ما به على أنه مسلَّم به، هذا إضافة إلى التأثير الذي يؤثر على عقلها الباطن من خلال الرسائل التي تشكل أفكارها فتُحمل بعمق إلى بواطنها، وذلك لأنها لم تتدرب، لم تتمكن.
 

 

 

أما عن مريم فتشاركها أمها على قدر استطاعتها أثناء مشاهدتها، فتجلسان سويًا لتقضيا معًا تلك الرحلة القصيرة التي يحيون خلالها في فترة الفيلم المشاهد، وفي ليلة من الليالي في مشاهدة ما على موقع اليوتيوب تبدأ الأم الحوار مع ابنتها فتعبرعن إعجابها بشخصية بطل الفيلم:
 

 

 

 

“يا له من شخصية قوية! حقًا.. إن المثابرة كانت سرًا من أسرار قوته. مريوم.. هل أعجبتك شخصيته؟
 

 

“أعجبني كثيرًا يا أمي، إنه فعلًا قوي، استطاع أن يتحدى كل الصعاب، أمي هل أستطيع أن أصير مثله؟
 

 

تعلمي حبيبتي أن الله خلقنا ونفخ فينا من روحه الكريمة، فنحن صنعته وقد وهبنا من القدرات الهائلة، فإذا أراد الإنسان شيئًا بقوة ودق أبوابه وحاول مرارًا وتكرارًا، فإنه حتمًا سيصل بإذنه هو.

 

 

 

انظري إلى بطل الفيلم في كل صعوبة يواجهها كان يفكر ويحاول بكل طاقته تخطيها، وحقق الله له أضعاف ما يريد، ولكن حينًا يخطئ بعض الناس عندما يتوقفون عن المحاولة أو يؤذون الآخرين لتحقيق مصالحهم.
آه ..قد ذكرتِني يا ماما بفيلم كرتون كانت شخصية البطل لها قوة خارقة ولكن كان يعتدي بها على الآخرين لتحقيق مراده.

 

 

 

 

والآن، تخيلي ماذا لو كنتِ مكان بطل الفيلم يا مريم الذي شاهدناه توًا؟
 

 

مممم، حقًا لم أعرف، ولكن أشعر بأنني سأحاول دائما التغلب على المصاعب ولا أتوقف عن المحاولة، ولن أستغل قوتي في أذى الآخرين.. أتمنى ذلك.
 

 

– وأنا أثق بكِ.

ذلك الحوار الدائر بين الأم وابنتها يخلق عقلية مفكرة واعية لما يتم تناوله، ناقدة تستطيع التمييز بين ما ينفع وما يضر، منفتحة على العالم تستطيع التعايش معه وليس الهرب منه أو العيش في الصراع  في مواجهته.
 

 

 

سادتي، إن أردتم تلك العقلية لأبنائكم فحاولوا بقدر المستطاع تجنب وسيلة المنع والهرب السهلة في ظاهر الأمر، الصانعة لشخصية منغلقة أو عنيفة في باطنه، ولا تفتحوا لهم كل المنابع الاتصالية ثم تتركونهم يواجهونها وحدهم،

 

 

 

 

بل افتحوا عقولهم بمفتاح المشاركة والحوارمعهم في مضمون المحتوى، فتبحثان معًا عن المستفاد حتى يطيب المراد، وهنيئًا لكما ولابنكما بعقل ناضج متمكن قادر على العيش في هذا العالم بقوة وإرادة كما تحلمان، وتذكرا دومًا أن الحماية بالتمكين، فإنهم سادتي بالحوار يميزون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد