إنها السادسة صباحًا، ينطلق صياح المنبه، المُدمج في الهاتف الذكي، والمبرمج على أن يتعرف على وجه صاحبه؛ باعتباره شرطًا وحيدًا للتوقف عن الصياح المستمر المزعج.

تلتقط إلهام هاتفها، وهي شبه نائمة، تشد عضلات وجهها؛ لتتمكن من فتح عينيها الجميلتين، والتي أثقلتها جبال النعاس، والمساء المجهد، إنه يوم رحلة كليتها إلى مدينة القاهرة، والتي تبعد ساعتين عن مدينتها الصغيرة، التي تقيم بها، تلملم أشياءها، وتلبس ثيابها سريعًا، وتنطلق إلى حيث المكان المحدد، لانطلاق الرحلة.

تجلس في مقعدها، بجوار النافذة، تطالع المدى المنبسط الأخضر الجميل، والمتّشح بالمزروعات الشتوية المزهرة، تتعالى الصيحات والأغنيات في حافلة الطلاب، وتظل إلهام منفصلة عنهم، في عالمها المنبسط، تتذكر أنها لم تر أباها منذ يومين، عادة ما يرجع متأخرًا منهكًا من عمله، ولا تتوافق مواعيدهما الصباحية لالتقائهما، همست إليه كثيرًا أنها تفتقده «بابا أنت بتوحشنا»، إنها تريد أن تتحدث معه، أن تراه، وتجالسه، وتسامره، لكن أباها مشغول دائمًا في الخارج، يعود متأخرًا.

تتساقط على أسماعها أحيانًا كثيرة، شكوى أمها المستمرة من أبيها، تسمع أمها أحيانًا ضجرة، وأحيانًا حزينة، وأحيانًا ساخطة، وأحيانًا غاضبة، لم تجرب مشاعر أمها المتباينة، ولكنها تحس دومًا بألم الاحتياج إلى أبيها، إنها تعده حبها الأول، وعالمها الصغير، تُغالب مشاعرها، وتقاوم، وتحاول أن تتحلى بالجلد، تخاطب نفسها «آه يا إلهام، أنتِ لم تعودي صغيرة بعد، أنتِ الآن كبيرة، تدرسين في الجامعة، يجب أن تكوني أقوى من هذا، وإن كان هذا حالك، فكيف سيكون حال أخواتك الصغيرات؟!

إلهام هي تلك الفتاة المتكررة في أسر كثيرة، تراجع فيها دور الأب تراجعًا كبيرًا، وتوارى فيه أداؤه الإنساني والأسري إلى مستوى متدن جدًا.

وإذا كانت المعاجم اللغوية تُعرف الأبوة على أنها «رباط يربط الأب بأبنائه، وهي من أقوى الروابط الإنسانية». فكيف يستقيم الأمر مع أب غائب حاضر، وحاضر غائب؟! إن الكثير من الآباء ينظر إلى علاقته بأبنائه باعتبارها علاقة تعاقدية مادية، يقوم الأب فيها بوظيفة معينة، وعلى سبيل المثال يمكننا أن نجد الصور الآتية:

1- الأب مقاول التوريد

وهو الأب الذي يقوم بتوفير احتياجات الحياة المادية، ومتطلبات المعيشة أول بأول، وهو مقاول متميز، وناجح، ولا يتأخر في تسليمه لأي بند من بنود تعاقده.

2- موظف البنك

هو ذلك الأب الكريم، الذي يوفر ما تحتاجه الأسرة من أموال، فيضعها في خزانة، ويخرج منها ما يطلب منه يوميًا، وهو ملتزم التزامًا تامًا بتلبية احتياجات عملائه؛ من أم، وأولاد، من غير تأخير أو تعطيل.

3- الجار الهادئ

ذلك الأب الذي ينظر للبيت باعتباره فندقًا هادئًا، ويتعامل مع أفراد أسرته في حدود الجيرة الهادئة، وهو متزن هادئ، وجوده كعدمه، إذا دخل بيته أغلق باب غرفته، وانفرد بأجهزته؛ من تلفاز، وهاتف، ونسي كل ما حوله.

4- الأب المفلس

ذلك الأب المنهك المستهلك في معارك الحياة، والذي لا يتبقى من وقته، وجهده، ومشاعره، وحبه أي شيء؛ فهو يدخل بيته، بعدما يكون قد استنفد كل ما لديه من طاقة وحياة، يلقي بجسده جثة هامدة، على أقرب أريكة، بالكاد يستطيع أن يتزود بالطعام، وهو بين النوم واليقظة، فلا يكاد يدرك، أيأكل أم يحلم؟ ثم يُلقي نفسه على فراشه، مغيب الوعي، لا يدري، أين هو؟

5- الأب الميت

ذلك الأب الذي يترك أسرته بالأيام، أو الأسابيع، لا يدري عنهم شيئًا، ولا يعرف لهم حقًا، ولا يشعر بوخز ألم الضمير، حتى إنه ينظر لأبنائه على إنهم خطأ، يحاول أن يتخلص منه، وإن لم يستطع، فيعمل جاهدًا أن يتخفف منه، يظهر في حياة أبنائه باعتباره شبحًا مخيفًا، أو باعتباره روحًا زائرة تتلاشى سريعًا، لا يدرون عنه شيئًا، ولا يدري عنهم شيئًا.

إن كان علينا أن نتفهم؛ فإننا نتفهم موقف الكثير من الآباء، الذين أنهكهم السعي؛ لتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم، لأبنائهم وأسرهم، ولا يمكننا بحال من الأحوال، أن نتفهم أبدًا إهمال، وتغيب الآباء المقتدرين، على أن يعيشوا حياة هادئة مستقرة، مع أبنائهم.

إن سعي الكثير من الآباء، خلف المزيد من المال، في مقابل التضحية بأوقاتهم الثمينة، وبالصحبة الإنسانية، والروابط الأسرية، والسكينة، والهدوء بين أبنائهم وبناتهم، هو سعي أعوج، يُنهك الجسد والروح، ويُدمي قلوب من نحب، ولا يعوضهم أبدًا، ولو تركنا لهم ملايين الجنيهات، إن ألم الفقد الذي يُدمي قلوبهم، ويستنزف أرواحهم، هو ألم عميق متجذر، لا يصلحه امتلاك كل الأشياء المادية.

أما أولئك العابثون بأبنائهم، والمتجاهلون لحقوقهم، والهاربون من صخب الأسرة، إلى هدوء الوحدة، أو الترف، المتنصلون من مسئولياتهم، وواجباتهم، هم حتمًا أكثر جُرمًا، وأعظم إثمًا.

أيها الآباء! رفقًا بقلوب أبنائكم وبناتكم؛ فألم الوحدة يعصف بهم، وإن كنتم تعتقدون أنه كلما كبر الأبناء قل احتياجهم لنا، فأنتم مخطئون؛ البنت كلما كبرت ازداد ارتباطها بأبيها، واحتاجت له أكثر، والولد كذلك كلما كبر ازداد ارتباطه بأمه، واحتاج لها أكثر.

إن الآباء الذين يقدّرون حاجات أبنائهم المالية، ولا يهتمون باحتياجاتهم الإنسانية، والروحية، هم أيضًا غائبون مضيعون، إن احتياج الإنسان للروح، والقلب، والحب، والحنان أقوى وأشد من احتياج البدن، والطعام، والشراب، واللباس، والهواتف الذكية.

إن الأبناء ليسوا حملًا، نتخفف منه، وليسوا مهمة نفوضها لغيرنا؛ ليقوموا بها بدلًا منا، وليسوا عملاء لمؤسسة الآباء المالية، تقرضهم الأموال قروضًا حسنة لا ترد. إن الاهتمام والحب لا يقاس بكم العطاء المادي، ولا الزمني، إنه يُقاس بعمق التواجد الفاعل، المؤثر المثمر، في حياة الأبناء والبنات، إنه سعة الروح والنفس، وألفة الصحبة، والأبوة، والأخوة.

إن الأسرة عمادها الترابط، والتجمع، والالتقاء، والإصغاء، والسمر، والسعادة، وإن المودة، والسكينة، والحب، ليسوا حكرًا على أمسيات الزوجين، الهامسة، النادرة، المتفرقة، إنه تلك السحابة التي تظلل بظلها الأبناء، والبنات، وتملأ أرواحهم بالحب، والسكينة، وتشع الود، والألفة، والهدوء في كل الأرجاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد