الروايات تكتسب أهميتها وبقاءها في مدار الاهتمام والتناول، حين تكون شاهدة على تطورات المجتمع، يقول الناقد لوسيان جولدمان «إن العمل الأدبي تعبير عن رؤية العالم؛ فالكاتب يعثر على شكل ملائم ليخلق ويعبر عن الكون»، وروايات «فتحي غانم» حين تطالعها تجد أنك أمام وثيقة تناولت جانبًا ما من جوانب المجتمع، عاكسة للظروف الاجتماعية السائدة في زمن كتابة الرواية.

وقد لا يكون هذا الروائي نال شهرة واسعة في زمانه، ولكنه حقًا يستحق أن نحتفي برواياته المتميزة بجمالية البساطة والإيضاح والتوثيق في نفس الوقت.

يقول خيري شلبي عنه ««فتحي غانم» أحد الأعمدة التي بُنِيت عليها الرواية العـربية، وهو العلامة الأبرز في تحديث الرواية العربية، فقد ابتدع أشكالا فنية جديدة للرواية.. فكتب الرواية الواقعية والنقدية والفانتازيا والرواية السيكولوجيا».

فتحي غانم.. ولعبة التفاصيل الممتعة

يمتلك عالم «فتحي غانم» كل تلك المسببات ليجبرك مبهورًا أن تدخله، رحبًا مليئًا بالمفاجآت، عالم سري عاكس لغموض الحياة، عالم يقتحم الوعي الإنساني من خلال رؤية متميزة لواقع المجتمع، معتمدًا على التفاصيل التي تبين طبائع شخصياته السردية ومبرراتهم المختلفة.

كما يعمد «فتحي غانم» أحيانًا إلى الإجمال أولًا ثم سرد جميع التفاصيل، ويوفر للشخصية كل ما تتطلبه من تفاصيل خارجية وداخلية، ويرصد جميع التفاصيل الدقيقة بين الشخصيات نفسها، وفي الأحداث، هذه التفاصيل التي يتيح للقارئ أن يتابع  القصة من أولها حتى نهايتها مستمتعًا؛ فحتى مع كثرة التفاصيل يظل الأسلوب محببًا بعيدًا عن التقريرات المفصلة الجافة.

«تلك الأيام».. أيام ما قبل الأوان

بأسلوب صحفي سلس يغوص «فتحي غانم» في نفسيات أبطاله الذين رسم شخصياتهم بمنتهى الإجادة فيشعر القارئ أنها شخصيات حقيقية متداخلة؛ فعبر ملاحظة الحوار تجد أن كل كلمة ينبني عليها كلمات أخرى، فكل شخصية تكمل الأخرى، متبعًا أساليب سردية متنوعة عبر تيار الوعي مستخدمًا المونولوجات الداخلية الطويلة، والتكثيف السردي، والنقلات السريعة بين الأزمنة.

تدور الرواية حول «سالم» أستاذ الجامعة الذي تحركه «عقدة الشك» في زوجته، ويحاول تغيير الأحداث؛ لتؤدي إلى قتلها.

يعجز سالم مواجهة الحقائق والتغيرات المجتمعية كحال المثقفين في هذا الزمن، كعجز زمن النكسة نفسه عن أي مواجهة والتشتت الذي صاحبه، ينعكس هذا التشتت في حواراته الداخلية ونجده يحاول أن يفهم تاريخه الفردي أولًا، مدفوعًا بإيمانه العميق أن التاريخ قد يصنعه فرد واحد، فيحاول أن يدرس حالة عمته زكيه ليقارنها بزوجته في محاولاته لإثبات الخيانة.

«عمر سيعاقبها نيابة عني، هو الذي يملك العقاب، ربما حكم عليها بالإعدام. لا أستطيع أن أطلقها. ما أسهل هذا. وينتهي كل شيء. وتطلق الزغاريد مثل عمتي زكية؟ ما أبشع هذا. ستكون نهايتي. لا حياة لي بعدها. سينتهي محمود وسينتهي عمر، كان جدي يقول.. منصور انتهى بعد طلاق زكية، انتقامي هو أن أبقيها قوتي هي أن أبقيها».

البطل في هذه الرواية هو الجنون، جنون المعرفة لدى سالم، جنون الملل والرغبة لدى زينب، عمر وجنون القتل الذي تملكه، حتى النهاية المفتوحة تناسب تمامًا كل هذا الجنون.

ولكن يصدمك مصطلح «الإرهاب» في هذه الرواية، فلطالما كانت الفكرة عن أولئك الذين كانوا يقتلون الجنود الإنجليز، أنهم مناضلون، لكن عمر هنا يصنف باعتباره إرهابيًّا، وتراه الدولة «إرهابيًا»، فتكسره بسجن طويل، ليخرج بعدها إنسان غير نافع، ذلك أن عمر كانت حياته القتل.

«بنت من شبرا».. بلاغة الإيجاز وملحمية السرد

في أجواء القصور في زمن الأربعينيات، تدور هذه الرواية بإيجاز بارع لفكرة قد يفرد لها كاتب غير «فتحي غانم» مئات الصفحات، عن فتاة جميلة تدعى «ماريا» الكاثوليكية ذات الأصول الإيطالية ابنة «كوافير الأسرة الملكية»، التي تحكي لحفيدها المتورط مع جماعات متطرفة قصة الحب التي جمعتها مع جده «كريم صفوان» المصري المسلم الصعيدي.

» وكانت وهي تصلي تردد مخاطبة الرب: «لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير» ولكن الحياة فرضت عليها الدخول في التجربة أكثر من تجربة، ولم تنج من الشرير!»  اكتوت ماريا بنار التجربة، حتى كادت أن تمس إيمانها، لكنها تجد الملاذ في الحب، فتعود روحها بيضاء وتنمحي كل آثار التجارب السوداء من قلبها.

يمر «فتحي غانم» مرورًا خفيفًا على فكرة «الجماعات الإسلامية المتطرفة»، والعلاقات بين الأديان، وفكرة التسامح والسلام الروحي الناتج من المودة بين البشر على اختلافهم. تحكي ماريا فيما حكت (عندما كان كريم مريضًا في مثل حالتي كنت أصلي له كمسيحية، ثم أقرأ آيات القرآن وأدعو له بالشفاء كمسلمة)، وتقول لحفيدها (سوف تصلي لي كما صليت لك … صلاتك أنت(

لم يبرع فتحي غانم فقط في رسم الشخصية الرئيسة هنا، ولكنه تقمصها بمنتهى الذكاء، فكساها لحمًا ودمًا وأنطق الورق بتفاصيلها.

الروايتان وحظهما مع الدراما

إن كانت الروايات يخدمها تحويلها لنصوص سينمائية أو دراما تليفزيونية، فإن هاتين الروايتين ظُلمتا حقا؛ فحين شاهدت فيلم «تلك الأيام» المأخوذ عن الرواية، لاحظت تسطيحًا للقصة ومعالجة مغايرة ارتآها صناع الفيلم، ولكنها لم تكن موفقة تمامًا، أما مسلسل «بنت من شبرا» فلم أحتج سوى أن أشاهد حلقة منه حتى تستفزني ليلى علوي بطريقتها المفتعلة، وديكورات المسلسل المبالغ فيها، وكذلك المعالجة السطحية للقصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فتحي غانم
عرض التعليقات
تحميل المزيد