من الطبيعي أن يلجأ الإنسان العامي عندما يحتار في أمرٍ ما من شؤون دينه أو حتى دنياه، أن يلجأ إلى من يفتيه. ولا مشكلة في ذلك لأننا نؤمن بالاختصاص وأهله شريطة أن لا يكون ثمة احتكار للعلم؛ لأنه بإمكان أي إنسان أن يفهم دينه بالقراءة والتعلم، والتشديد على ضرورة أن لا يخشى في الله لومة لائم، والاطمئنان أيضًا لفعل ما! مصداقًا لقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عندما سأله رجل عن البر فقال له «البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس».

الأمر الذي يدعو إلى التفكير وإعادة النظر في الكثير من الأمور هو تصادم النصوص الدينية مع ما يُقدم لنا من فتاوى بعضها لا يستوعبها العقل، وبعضها تتغير وفق أهواء الحاكم وطلبًا للدنيا.

في يوم الثلاثاء 17/10/2017 يُعقد مؤتمر في القاهرة بعنوان «دور الفتوى في استقرار المجتمعات» وهذا العنوان كبير جدًا لا أبالغ إن قلت إنه بحاجة إلى بحث موسع لأنه أثار حفيظتي وقدح شرارة العصف الذهني في عقلي، وقفز سؤال أبى إلا أن أحاول الإمساك بأطراف الإجابة على الأقل، قبل أن أشرع في بحث عميق في المستقبل ربما.

والسؤال هو: هل حقًا للفتوى دور في استقرار المجتمعات؟

أعتقد أن الجواب مشروط بتحقيق بعض الأسباب التي تساعد في استقرار المجتمع عندها يكون الجواب «نعم»، وإلا فالجواب سيكون «لا» عندما لا تستوفي الشروط المحققة للاستقرار وإن كانت فتوى من مفتي الجمهورية!

نحن في القرن الـ21، ونقف الآن أمام معلومات متدفقة بلا قيود يسهل الحصول عليها، مهما مُنعت الكتب أو حُجبت المواقع!

مثلًا في المملكة العربية السعودية وإلى وقت قريب وقبل السماح للمرأة بقيادة السيارة، كان أغلب من أفتى بهذا الشأن يُحرم قيادة المرأة ويرى فيها شرًا عظيمًا وانحلالًا أخلاقيًا، فإذا بهم اليوم تتغير آراؤهم إلى التحليل والترحيب! وقد يقول أحدنا هم بشر مثلنا يخطئون ولهم أجر الاجتهاد، لا بأس، ولكن هل الخطأ في الإفتاء وتكراره يعد إيجابيًا وصحيًا؟!

بعض الأخطاء لا يجب أن تقع وإن وقعت مرة ينبغي أن لا تتكرر، لأن بعضها مدمر للمجتمع وقد يشوه معالم الدين الصحيحة ويقدح في ثوابته، وهذا الأمر لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال.

للفتوى دور عظيم لا ينحصر فقط في توجيه المجتمع والحفاظ على استقراره، بل إن علماء الدين لهم دور في توجيه الحاكم عندما يقصر ويخطئ وليس العكس!

لأنه ما زالت شريحة كبيرة من الناس تتأثر بالفتاوى وتمنح المفتي الثقة المطلقة التي تؤدي إلى تقديسه، ومن هنا يتم التلاعب بالشعب باسم الله، وباسم الدين تلبية لرغبات الحاكم.

عندما يئن المواطن ويرزح تحت وطأة الجوع والفقر المدقع، ينصحه المفتي بأن يحمد الله على صحته وعلى تلك الغرفة المتهالكة التي تؤويه وأن الله سيعوضه في الآخرة بجنات عرضها السماوات والأرض! وتجد الناصح المخلص يركب السيارات الفارهة ويسكن في القصور المنيفة ويقضي إجازته على شواطئ أوروبا! إلا من رحم الله.

عندما يكون الحاكم مستبدًا، ظالمًا، لا يقيم العدل وهو أُس الفساد والمفتي يكون على علم بهذا ولا يخفى عليه شيء، وبعدها يصدر فتوى بضرورة طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه لئلا تحدث فتنة، ويفتي بالصبر على ظلمه!

العالم الذي من المفترض أن يكون أشد خشية لله، كيف له أن يطلب من الشعب المقهور، المظلوم، أن يأخذ بفتواه على أساس أنها المرجع النهائي الذي سيحفظ لهم دينهم ودنياهم، ويعيد للإسلام مكانته، وهو يؤله الحاكم الظالم ويطيعه طاعة عمياء ويبارك جوره ويمنحه الشرعية اللازمة لبقائه!

كيف لنا أن نثق بعلماء يخشون الحاكم أكثر من خشيتهم لله، ويرجون الحياة الدنيا؟!

الفتوى يا أيها العلماء لكي يكون لها مفعول إيجابي ويؤدي إلى نهضة الشعوب والأوطان إن كنتم تريدون ذلك، تتطلب أولًا من المفتي أن لا يخشى في الله لومة لائم، التي ستقوده بالضرورة إلى قول الحق وما يراه الإنسان صحيحًا وفق شرع الله لا وفق أهواء الحاكم.

الفتوى اليوم بحاجة إلى مفتٍ حُر قلبه على الأمة، لا على شكليات ومظاهر بحاجة للمتابعة إرضاءً للغرب!

المجتمعات المقهورة اليوم والمستعبدة بحاجة إلى فتوى صادقة تعبر عنهم، تنبع من الدين الصحيح الذي رضيه الله لنا.

تحدثوا عن حرية الإنسان المسلوبة، وعن كرامته المهدورة، انصحوا الحاكم، قفوا مع المواطن وتذكروا عظمة الخالق الجبار وأنتم تقفون على المنابر وتأمرون الناس بطاعة المخلوق الزائل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد