يعتبر موضوع الديمقراطية و آلياتها من المواضيع التي نوقشت كثيرا بين أهل العلم الشرعي، وقد اجتهد الكثير من العلماء في العصر الحديث و المعاصر لتأصيلها شرعا بين من يدافع عن جوازها وجواز العمل بها وبين من يحرم ذلك و يحرم آلياتها، و فريق آخر يرى أن الاسلام لم يأت بنظام حكم جاهز، وإنما أتى بمناهج عامة في الحكم ومبادئ كبرى ومتى احترمت الديمقراطية أو أي نظام في الحكم هذه المبادئ فهي مباحة والعكس بالعكس.

 

ومع كل استحقاق انتخابي يتجدد استدعاء فتاوى القدماء واجتهاد المحدثين، وقد تخلى الكثير من المحرمين عن الحرمة والكثير من المبيحين عن الإباحة، ليبقى الموضوع مثارا ما دام الاجتهاد قائما والفهم التاريخي للإسلام و لمستجدات الحياة الاجتماعية متطورا، باعتبار الموضوع ليس من قطعيات الدين ولا من محكم التأويل.

 

خلال الانتخابات الجماعية التي تعيش بلادنا المغرب على إيقاعها استعادت فتاوى الديمقراطية وآلياتها اهتمام شرائح واسعة من الشعب المغربي، ويبدو أن لذلك عوامل كثيرة جعلت الموضوع هذه السنة يثار أكثر من درجات إثارته خلال السنوات الماضية ومن هذه العوامل ما يلي :

 

  1. خوض حزب العدالة و التنمية الانتخابات و ترويج أعدائه ومناصريه للفكرة الدينية بين من يرى الحزب ناصرا لدين الله و من يراه عكس ذلك.

 

  1. خوض عدد مهم من الاسلاميين غمار الانتخابات لأول مرة، التيار السلفي و التيار المتشيع الجديد خصوصا.

 

  1. معارضة أو تشجيع قوى إسلامية للانتخابات والدعوة إلى مقاطعتها وخاصة جماعة العدل والإحسان وتيار من السلفيين العلميين والإصلاحيين أو المشاركة فيها خاصة من دعاة و مشايخ من السلفية الاصلاحية و بعض قدماء السلفية الجهادية.

 

 

  1. تأثر قطاع واسع من الشباب من مناصري علماء وشيوخ بفتاوى معينة والترويج لها.

 

إذن وفي خضم هذا التدافع في الفتاوى الذي قد يصل إلى التخوين والتتفيه و الاتهام بعدم الفهم أو بعدم العلم، يبقى لكل فريق حججه الخاصة التي قد تقوى أو تضعف، لكن في مقالي هذا أريد أن أسير إلى أبعد من خطوة الحكم الشرعي في الديمقراطية والانتخابات، أريد أن أناقش الأمر من الداخل، أقصد بذلك توضيح أمور معينة أرى أن أغلب المشايخ من أساتذتنا وعلمائنا الذين نحترم علمهم الشرعي، قلت أرى أن أغلب من أدلى بدلوه في موضوع الانتخابات سواء محرما أو مجيزا، ليس لهم كبير دراية بالسياسة و كيفية إدارة المؤسسات المنتخبة في المغرب.

 

ينطلق جل دعاة الإباحة، إن لم أقل كل المعتَبرين منهم، من مبدأ تقليل الضرر في إباحتهم للانتخابات، باعتبار أن الاسلام في نظرهم يرفض المبدأ الأصلي الذي قامت عليه، ففي الاسلام إنما يشرّع الله ويجتهد العلماء على ضوء المحكم و يَختارُ الاصلحَ لحكم أو قضاء أو قيادة  أهلُ الحل والعقد ممن لهم فهم في الشرع وفي ميدان الاختيار، أما العامة الذين لا علم لهم فيحتاجون للمشاركة فيما سبق أن يتزودوا بزاد العلم أو أن يمتثلوا للفئات الأعلم منهم، إذن في نظر هؤلاء المجيزين للانتخابات على المواطن أن يختار الأصلح أو أخف الأضرار، و بالتالي لا يقاطع الانتخابات حتى لا يصعد كل فاسد.

 

في الانتخابات القادمة سيتم اختيار منتخبين عن الجهة والجماعة، لكن السؤال المطروح هل لهؤلاء المنتخبين سلطات حقيقية تجعل منهم وإن كانوا الأصلح يغيرون ويصلحون؟ هل يستطيع رئيس الجهة ورئيس الجماعة أن يتجاوز سلطات السلطة المعينة من قائد وعامل ووال؟ أليس هذا مدعاة لهدم نظرية اختيار أخف الضررين باعتبار أن هذا المنتخب أصلا سواء كان فاسدا أو صالحا فإنه لا يقدم ولا يؤخر إلا في أمور جانبية بينما تتولى سلطات معينة اختصاصاته و تهيمن عليه إذا ما تعارضت معه؟

 

يرى بعض من الذين أجازوا الانتخابات وقالوا بتخفيف الضرر أن حزبا معينا (العدالة و التنمية حسب رؤيتهم) ويذكرونه بالاسم هو البديل المخلص، وفي هذا خرق لقواعد التنافس السياسي التي إن ارتضوا أن يشارك الإنسان في السياسة يجب أن يرتضوا بقواعد التنافس الشريف داخل غمارها، ثم إن الحزب الذي ينادون به و يرون أنه قادر على التغيير، ليس في يده سلطات تخول له التغيير، كما أنه جرب الحكم ويقود الحكومة الحالية ولم يستطع أن يغير، كما أن المفسدين الذين يرى دعاة الجواز ضرورة إقصائهم بالانتخابات قد تحالف معهم الحزب الذي يرونه مخلصا فكيف يصح هذا؟ تحالف معهم في الحكومة وفي الجماعات والغرف؟

 

وعلى فرض أنهم يريدوننا أن نعطي لهذا الحزب اكتساحا في الانتخابات حتى لا يضطر للتحالف، ألا يعرفون أن العتبات والقانون الانتخابي يجعل من المستحيل على أي حزب أن لا يتحالف، وما دام هذا الحزب هو الوحيد في نظرهم الصالح فإنه بتحالفه الغير ممكن تجنبه مع المفسدين سيكون مفسدا بدوره من باب من عاشر قوما. وأنت ومن واليت.

 

و من جهة أخرى ألا يرى كل مجيز أن الاحزاب الأخرى فيها من المصلحين من يشهد لهم الجميع، وأن حزب العدالة والتنمية فيه من المفسدين من يشهد بفسادهم هم أنفسهم، ومنهم من صدرت في حقه أحكام إدانة سابقة أو عليه قضايا لم تحكم، فكيف يستقيم اختيار حزب في كل المدن وفي غيره من هو خير من مرشحهم.

 

إن الحديث عن موضوع الانتخابات و السياسة يقتضي من كل مدل دلوه أن ينزل إلى البئر ليعرف مصدر ما يجلب وارده، إن الحديث العام النظري لن يجلب فهما دقيقا للمسألة السياسية، وإن الحكم الشرعي يقتضي الحكم على ما هو ممارس لا ما تضمه الكتب و النظريات، وهذا هو صلب فقه الواقع الذي لا ينكرون ضرورته.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد