{قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)}. [سورة الحجر 34: 42].

ما قبل «فاوست» بداية الشقاء الأبدي، من النصوص الدينية يقتبس يوهان جوته حكاية «فاوست»؛ نجد الشيطان يراهن الرب على إغواء «فاوست»، ونجده مثلما هو مذكور في الكتب السماوية حاقدًا وكارهًا للإنسان، ومثلما كان الرهان من إبليس على إغواء الإنسان، نجد «فاوست» هنا بصورة رمزية عن الإنسان.

البداية فاوست

حائر وناقِم وضائع، هذا هو الإنسان، غارق في شعور اللا جدوى والنكران، عندما لا يجد ما يؤمن به، أو ما يسعى إليه، تائه في بحور اللا معنى، فاقد لكل القيم الأخلاقية والإنسانية؛ هذا هو الإنسان عندما يغرق في دائرة اللا جدوى، لقد فقد «فاوست» الفطرة، ولكي يعيش الإنسان سعيدًا وراضيًا في تلك الحياة، يجب ألا يخرج عن دائرة الفطرة، أو أن يسمو على تلك الفطرة، ويتخلص منها، ويخلق قانونًا وفلسفة لنفسه.

لقد سلبته دراسة الفلسفة والعلوم راحة الإيمان والفطرة، ولكننا نجد «فاوست» في المنتصف غير قادر على العيش بفلسفة خاصة، وفاقدًا لفطرته، وهكذا نجده يتساءل عن جدوى كل شيء، ما أهمية دراسة اللاهوت والفلسفة والدين؟ وما أهمية أي شيء طالما فقد الإعجاب به؟

هرب «فاوست» من عالمه المادي بالسحر والبحث عن عالم الأرواح؛ باحثًا عن إيمان أقوى، ينقذه مما هو فيه، إلى أن يجد أنه لا خلاص إلا في قتل نفسه، بعد أن فقد كل أمل في الحياة، أو أي شيء يجعله راضيًا، واعتبر كل ما هو موجود في العالم هو مجرد وهم، ولكنه ينجو في النهاية.

لقد عاش «فاوست» حياته غارقًا بين الكتب والعلوم، ولقد درس كافة أنواع العلوم، لكن ما جدوى ذلك الآن؟ ها هو يرى نفسه يعيش حياة بلا معنى، الكلب يعف عن عيشها.

وهكذا يتسلل إبليس إلى «فاوست»، فهو في تلك اللحظات أضعف الكائنات على الأرض، وفي الليلة السابقة كان يريد أن يزهق روحه، ويكون في العدم، حتى يتخلص من ذلك الشعور.

في تلك اللحظات لو أخبره أحد أنه سوف يصير حشرة سوف يرحب بذلك، فهو يريد أن يصبح أي شيء بدلًا من ذلك الشخص الذي هو عليه.

«إن الهم قد استقر في أعماق القلب محدث فيه آلامًا مستسرّة، ويهدهد نفسه بغير انقطاع، ويفسد اللذة والسكون، ويتستّر دائمًا بأقنعة جديدة، فيبدو مرة قصرًا، وبلاطًا، وأخرى زوجة وولدًا، وثالثة نارًا وماءً وخنجرًا وسمًا، فنقلق على أمور ربما لا تحدث، ونبكي دائمًا على ما لن نفقده أبدًا. أنا لست مثل الآلهة، إني أشعر بهذا شعورًا عميقًا، وإنما أنا كالدودة التي تزحف في التراب، وبينما تعيش في التراب، ومنه تتغذّى إذ بوطأة قدم عابر السبيل تسحقها وتدفنها».

يحتقر «فاوست» نفسه، ويحتقر كذلك أبناء جنسه، فهو لا يؤمن بالخير والشر، ولا بحِكم ومواعظ التاريخ والسابقين؛ لهذا كان على نفس النسق مع إبليس، فهو لا يحبه، ولا يحب أبناء جنسه، ولا تاريخهم، ولا أثرهم؛ ومن هذا الباب أيضًا يتسلل الشيطان، يمنحه ما كان يطمح إليه من الوقوف على سر الحياة، والاطمئنان إليه.

بداية الإغواء إبليس يتسلل لـ«فاوست» من علته «أليست لك يداك ورجلاك، ورأسك وبطنك؟! فلماذا إذًا لا تستخدمهما جميعًا في التمتع؟ وهل هذا ضارك بشيء؟ فلتنهض الآن ولتسارع إلى العالم! ودع كل هذا التفكير الذي لا يجدي، فلعمرك ما الرجل الذي يقضي عمره يفكر ويحب إلا مثل الحيوان الأعجم! يدور في دائرة ضيقة لا زرع فيها ولا عشب».

وكانت خدعة إبليس كالتالي إخراج «فاوست» من عزلته، ودمجه في الحياة الوعرة، وتدنيسه بكافة الطرق.

أخبر إبليس «فاوست» أنه سوف يجعله سعيدًا، ويتخلص من شعور الكآبة، والعدم، ويملك كل شيء في العالم، ويتيح له كل ما يريد من يسير وعسير، ويذيقه كل ما يشتهي من لذات الحياة على اختلافها، جليلها، وحقيرها في مقابل أن يبيع له روحه في الحياة الآخرة.

وافق «فاوست» على الميثاق؛ لأنه لا يهتم بشيء في هذا العالم، إلا بالتخلص من ذلك الشعور، والظمأ الذي يملأ قلبه. فهو يرى نفسه إنسانًا لا تلائمه السعادة، وأساليب اللهو، وبين الناس لا يشعر سوى بالحيرة والاضطراب.

الإغواء الأول: الاندماج مع العامة 

يأخد إبليس «فاوست» إلى حانة بها جماعة من العامة؛ ليرى العالم، ويرى كيف هؤلاء العامة سعداء، وهم غارقون في الملذات والخمر، ولا يبالون بالعالم.

ويخبره إبليس عن كم هم سعداء وأحرار، طالما ظلوا في لعب ولهو، ولكن «فاوست» يرفض، ويخبره إن كل ما يرغب فيه هو المغادرة.

الإغواء الثاني: إكسير الشباب

يغوي إبليس «فاوست» بحيوية الشباب، وأن يصبح شابًا من جديد، ولكن «فاوست» يسخر منه، ومن السحر، ويخبره أن كل هذا السحر، وكل هذه الأعمال ما هي إلا سخافات.

الإغواء الثالث: العذراء 

يتسلل إلى قلب «فاوست» حب عذراء، ويقوم إبليس بإغواء العذراء حتى تقع في الشرك مع «فاوست»، تفقد العذراء براءتها، وتصبح مومسًا في نظر أخيها والمجتمع؛ وتتسبب في قتل أمها، وأخيها، وطفلها غير الشرعي، وأخيرًا نفسها؛ يغرق «فاوست» في الندم بعد مصير العذراء المؤلم، ويبغض إبليس على ما تسبب فيه بالوساوس الشيطانية، ويرغب في الانفصال عنه، ولكن إبليس يخبر «فاوست» بحقيقته، ويجعله خاضعًا له من جديد.

«ويك يا سليل التراب! أي عيش كنت تعيشه من غيرى؟! ألم أنقذك ولو إلى حين من وساوسك وأوهامك؟! ألم أكبح لك جماح خيالك الكثير الشطط؟! ولولاي لكنت فارقت هذه الكرة الأرضية منذ زمان».

الإغواء الرابع: العالم الماجن ليلة بورغ

يأخذ إبليس «فاوست» إلى عالم الجن والشياطين والعفاريت؛ من أجل أن يدخل «فاوست» في الأحلام، وينسى أنه قاتل، يلعب إبليس بخيالات «فاوست» ويتركه في وهم دائمًا؛ من أجل أن تتزعزع عقيدته، ولكن كل ما يشعر به «فاوست» هو العذاب والحسرة على ما فعل.

‏وفى أثناء بحث «فاوست» عن التحرر من إنسانيته، والتفوق عليها، نجد أن أحد تلاميذه اخترع جهازًا صناعيًّا‎، لديه قدرات خارقة يحلم بها «فاوست»، ورغم كل القدرات التي يتمتع بها إلا أن الإنسان الآلي يرغب أن يكون إنسانًا طبيعيًا فقط.

ويستمر إغواء إبليس لـ«فاوست» بكل الأشكال الممكنة؛ حتى يصبح «فاوست» سعيدًا، ويرضي غروره ونهمه الدائم في السعي إلى الكمال والأفضلية، والوصول لدرجة المثالية.

يغريه بالسلطة، والنفوذ، والمال، والسيطرة، والسحر، والمثل العليا، وكل شيء ممكن.

وتستمر رحلة «فاوست» ما بين الواقع والميثولوجيا، ينغمس فيها «فاوست» بمساعدة الشيطان في كل شيء؛ بحثًا عن السعادة، وجوهر الحياة، والحكمة منها، حتى يجدها في النهاية قبل موته، ويكتشف أن كل ما سعى إليه بمساعدة إبليس كان وهمًا بقوله الأخير: «لا يستحق الحرية والحياة إلا من يسعى كل يوم للظفر بهما».

يموت «فاوست» بعد رحلته الحافلة مع إبليس، حصل فيها «فاوست» على كل شيء أراده من إبليس، وفي سبيل فعل كل شيء آثم، ومات دون أن يشبع ما في نفسه.

إبليس في رثاء فاوست ونظرته إلى الإنسان 

«لا تشبعه شهوة، ولا يقنع بأي سعادة، واستمر يشتاق إلى أشكال متعددة، واللحظة الأخيرة الأليمة الفارغة هذا المسكين يريد أن يوقفها، وهذا الذي قاومني بكل قوة، ها هو الزمن قد تغلب عليه».

في رحلة «فاوست» في سبيل السعادة والمعرفة، فعل كل شيء فاسق؛ قتل، وسرق، وخدع عذراء بريئة، وظلم، ونهب حقوقًا ليست ملكه، وأشرك بالله حتى يحصل على ما يريد من السعادة، ولكنه لم يحصل سوى على الهم والحسرة.

إن روح «فاوست» روح متمردة، لا تهدأ أبدًا، وهي دائمًا معذبة وممزقة؛ لأنها تطمع دائمًا ولا ترضى، «فاوست» هو صورة الإنسان؛ الإنسان الذي يسعى دائمًا إلى الأفضل، وفى سبيل سعيه يقع في الخطأ، ويتعلم الإنسان الذي تطمح روحه دائمًا لأعلى مكانه، وأعلى قيمة، وأعلى درجات المثالية.

ولكنه مع ذلك تذهب نفسه إلى الملذات والشهوات، لكنه لا يطيق أن يكون عبدًا لملذاته؛ بسبب فطرته السليمة في كل مرة كان يسعى فيها «فاوست» إلى المثالية والكمال، ويجعل نفسه إلهًا عليمًا بكل شيء، كان يهوي إلى القاع؛ فنرى «فاوست» في رفقة الشيطان يغوي الناس، ويقتل، ويسرق، ويكذب، ومع ذلك يحاول الحفاظ على الفطرة والضمير.

فالفطرة شعاع يَهدي صاحبَه إلى طريق النجاة، والفطرة حجَّة بذاتها على الإنسان؛ لهذا عندما يموت نجد الملائكة تتصارع مع إبليس على روح «فاوست» وإن كان قد ضل سعيه في الدنيا، ولكن فطرته ظلت سليمة.

في نهاية القصة نجد أن «فاوست» كان الحدث الأكبر، وهو المحرك لنفسه؛ إغواء «مارغريت» لم يتم إلا برغبة «فاوست»، وإلحاحه الشديد على الشيطان؛ كي يساعده على الإيقاع بها، وفى كل فعل مشين كان إبليس في الخلفية، و«فاوست» البطل، منح إبليس «فاوست» القوة والسلطة، لكن الشر كان نتيجة أفعال «فاوست»، لقد احتاج «فاوست» إبليس ليبرر أفعاله الشريرة، ويهرب من تحمله مسئوليتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد