إذا قلنا أن الإنسان يمر منذ نشأته بأطوار ومراحل متصلة حتى يصبح كيانًا مكتملًا يحمل رسالته ويؤدي دوره في الحياة، فإن الأم هي العلامة المُمَيزة والمؤثرة طوال هذه المراحل والأطوار، فكما كانت الأم تمد حملها بشريان الحياة وهو في بطنها، فهي كذلك بعد استقباله للدنيا تعتبر الوسيط الطبيعي الذي يمر الطفل بين يديه ليغرس في نفسه أسمى القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية والسلوكيات السوية، ويُكَوّن في وجدانه أسس الحياة الاجتماعية ومنطلق العلاقات الإنسانية السليمة، قبل أن ينطلق إلى العالم الخارجي بأحداثه ومواقفه وتحدياته.

لذا فيمكن بلا مبالغة أن نقول إن الأم التي تفي برسالة الأمومة بحق فإنها قد مهدت لأولادها ممراتهم الآمنة إلى الحياة.

وقد دلت الدراسات العلمية الحديثة على أهمية الأمومة في نشأة الطفل من حيث النمو وصحة البدن وسلامة العقل واستقامة السلوك.

ففي بحث علمي للباحث الأمريكي رينيه سبيتنز قارن فيه بين مجموعتين من الأطفال وضعتا في مؤسستين متشابهتين في كل شيء، مع فارق واحد بينهما وهو درجة العطف والحنان اللذان يحصل عليهما الأطفال من رعاية أمهاتهم لهم، بحيث تعتني في إحداهما أم كل طفل بطفلها، في حين كان أطفال المؤسسة الأخرى يلقون عناية ضئيلة من موظفات غير أمهاتهم، فوجد الباحث أن نمو أطفال المؤسسة الأولى استمر على مستوى طبيعي، بينما تطور نمو أطفال المؤسسة الثانية بنسبة أقل، كما لوحظ أنه عندما تم فصل الأطفال عن أمهاتهم أصبحوا يميلون إلى الكآبة والتعاسة، وكانوا غالبًا ما يبكون ويرتعشون في أثناء فترة الفصل، حتى إذا ما عادت الأمهات إليهم بعد فترة قصيرة ظهر التحسن في نسبة تطور نموهم، أما عندما طال غياب الأمهات كانت استعادة الأطفال لمعدل نموهم ضعيفة، كما سجلت نسبة وفيات مرتفعة لأطفال المؤسسة الثانية مقارنة بالمؤسسة الأولى التي لم يسجل فيها وفيات بين الأطفال.[1]

كما أكّدت العديد من الدراسات الإنسانية والاجتماعية في هذا الميدان أن الأطفال الذين يُحرمون من حنان ورعاية أمُهاتهم، يعانون في الغالب من علل جسمانية واضطرابات عقلية وأزمات نفسية ومشكلات وجدانية وانحرافات سلوكية، فإن حمْلَ الأطفال والحنوَّ النفسي عليهم أصبح من أهم العوامل المسؤولة عن النمو العقلي والاجتماعي السوي للأطفال.. وبدون ذلك التضافر الفيزيقي والنفسي، فإن نظام اللَّذة الخاص بالطفل يتعرض للارتباك، ويفضي الحرمانُ من ذلك إلى ميل نحو العنف.[2]

وقد تأكد ذلك من خلال الدارسات التجريبية التي أجراها كلٌّ مِن هاري ومارجريت كوين عام 1950م على بعض حيوانات المختبرات، ومن خلال الأدلة البحثية تبين: أن النمو السويَّ الأوليَّ للمخ هو المفتاح لفَهْم بعض أشكال العنف؛ فالقرود التي تعرَّضت لفترات انعزال أطول مع الحرمان من مصاحبة الأم قد تولَّد لديها عدوانيةٌ تجاه الذات في صورة قضمها لأجزاء من أطرافها.. ثم تحوَّلت تلك العدوانية إلى عداء للآخرين، بلغ درجة عالية من الشراسة.[3]

ومن هنا كانت حكمة الله تعالى في خلق المرأة وتأهيلها لأن تحمل البذرة الإنسانية وتمدها من دمائها حتى تستوي، ثم من لبنها وحنانها ورعايتها حتى يشتد عودها، فكان من الطبيعي أن تصبح هذه المهمة الإنسانية من أعظم المهمات على الإطلاق، وأن الإهمال فيها جناية كبيرة، وخيانة للأمانة، وتصادم مع الفطرة وتغيير لنظام الحياة السوية، فوجود الأم إلى جانب طفلها واهتمامها بتوفير المناخ السليم لنموه الاجتماعي والفكري والأخلاقي والسلوكي يهيئه للنشأة الاجتماعية السوية، وحين ينعدم دورها أو يشوبه التقصير فإنه يعرض هذه النشأة للانحراف والابتعاد عن مسارها الصحيح.

لقد نظر الإسلام إلى الدور الأمومي للمرأة على أنه واجب مقدس لا يجوز التفريط أو التقصير فيه، وأن دورها هذا من باب الأمانة التي سيسألها الله تعالى عنه وعن أدائها فيه، وقد تواترت النصوص الصحيحة والصريحة التي تدل على هذا المعنى، والتي منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.[4]

كما نجد أن منظومة الأحكام والتشريعات الإسلامية قد أزالت أي عقبة تحول بين الطفل وأمه، ومهدت كافة السبل لتمكِين المرأة من القيام برسالتها الفطرية دون مانع أو حائل أو مُعطل، كي تنطلق في مجالها الطبيعي بكل جهدها وطاقتها المٌؤَهلة للعناية بالإنتاج البشري الذي استرعاها الله إياه والمنوط به عمارة الأرض، وترتب على هذه النظرة الحكيمة العديد من الأحكام والتدابير التشريعية التي راعت كل هذه الجوانب وأخذتها دائمًا في الحسبان، والتي كان منها حق الأم في حضانة أولادها في حالة الطلاق والانفصال عن الزوج، ففي الحديث: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي.[5]

ومنها ما كان من مقاصده تَفْرِيغ المرأة للقيام بمهمتها الأساسية داخل بيتها أم وربة بيت؛ حيث جعل كفالتها على غيرها دائمًا في مقابل التفرغ لهذه المهمة، وليس هذا في مرحلة دون أخرى، بل منذ ولادتها إلى آخر لحظة في عمرها، حتى لا ينشغل بالها بالصراع على تدبير لقمة العيش، وتتفرغ لمهمتها الأساسية في الحياة دون منغصات، فكفالتها ورعايتها حق أصيل لها وواجب على الرجال لا يمكن النكول عنه أو التقصير فيه، فعلى أبيها قبل زواجها لأنها في مرحلة تدريب على المهام المستقبلية، ثم على زوجها لاحقًا للقيام بدورها الأصيل في رعاية بيتها وأولادها.

كما إن الأم بكل ما تحويه من مشاعر نبيلة تجاه طفلها، وكل ما تؤديه من جهد كبير وصبر جميل لرعايته، والقيام بالعناية به وتلبية احتياجاته الكثيرة، وملاحظة سلوكياته والعمل على ضبطها وتوجيهها، لهو ترجمة عملية لمعنى فطرة الله التي فطر المرأة عليها، وصورة من صور التكييف والتأهيل النفسي والعصبي والذهني الذي ميز المرأة به، والذي يكتمل بالتكييف الجسدي لمهام الحمل والإرضاع، مما جعل المرأة تؤدي دورًا مغايرًا لدور الرجل الذي لا يملك قدراتها ومؤهلاتها ومواهبها الفطرية، ولا يمكن أن يغني دوره عن دورها، وهذا جعلها متفردة بمهمتها السامية، بحيث لا يمكن بحال الاستغناء عنها ولا عن دورها إذا ما أردنا السير في الاتجاه الصحيح.

لم يكن غريبًا على الإسلام بنظرته الحكيمة أن يُكَرّم الأم ويحتفي بها كل هذه الحفاوة، ويوجب لها الرعاية الكاملة والاحترام التام تعظيمًا لها ولدورها الحيوي المؤثر في المجتمع.

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يَمتدِح مَن تُبالِغ في الحَنان على أولادها، فيقول: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ؛ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ.[6]

لقد رفع الإسلام من مكانة الأم وجعل برّها من أصول الفضائل والإيمان وعبادةٌ وزلفى إلى الخالق، حتى إن أحد الناس ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمك، قال: ثم من ؟ قال: أمك، قال: ثم من ؟، قال: أمك، قال: ثم من ؟، قال: أبوك.[7]قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) (لقمان: من الآية 14) فسوى بينهما في الوصاية وخص الأم بالأمور الثلاثة.[8]

ووفق هذه المقدمات الطبيعية والمنطقية فإن النظرة المنصفة لمعنى الأمومة ورسالة المرأة الصالحة ودورها الحيوي في رعاية بيتها وزوجها وأولادها كما أراده الله منها وفطرها عليه؛ لبعيد كل البعد عن اعتبار ذلك تمييزًا ضدها كما يدعي دعاة التغريب والمدنية الحديثة، بل إن دفعها إلى ما لا يناسب فطرتها وطبيعة تكوينها لهو أحط مظاهر التمييز، وأسوأُ صور الظلم والضرر، كما إنه إهمال لمفهوم الأولويات.

لذا فكل الذين يدفعون المرأة لمهمة أخرى غير مهمة الأمومة على حساب بيتها وأولادها؛ إنما يضرون بها وبأطفالها وبأسرتها وبالمجتمع بأسره.

وبنظرة لواقع مجتمعاتنا اليوم، نجد أن هناك خللًا واضحًا وأثرًا ملموسًا نراه بكل وضوح في أخلاقيات وسلوكيات أبنائنا، ولو أردنا رصد أهم أسباب هذه الظواهر الجديدة والغريبة على مجتمعاتنا، لكان على رأسها الغزو الثقافي والتشويه المتعمد والغفلة والإهمال وعدم فهم معنى رسالة الأم ومفهوم الأمومة كما ينبغي وفق عقيدتنا وثقافتنا، والأمر يحتاج بالفعل إلى جهد وتخطيط وإعادة نظر في مناهجنا التعليمة بكافة مستوياتها، وفي وسائل إعلامنا ومنابرنا الدينية والفكرية والثقافية، وتوفير الدورات التربوية المتكاملة للتوعية والتأكيد على أهمية وقيمة رسالة الأم ومفهوم الأمومة، مع الأخذ في الاعتبار أن يتم تناول هذه القيم بمفهومها الشامل؛ العقائدي والإنساني والقيَمي والتربوي.. لا أن تُختزل في المفهوم البايولوجي؛ هذا إذا كنا نريد بحق أن نعود إلى قيم ديننا وصلاح مجتمعاتنا وسلامتها وأمنها وسعادتها واستقرارها.

ومن المهم هنا التأكيد على أن المسئولية الملقاة على المرأة – خاصة الأمهات – تقتضي التزوّد بالعِلم الذي يخدم هذا الجانب ويساعدهن على أداء مهماتهن التربوية ويؤهّلهن للقيام بمسئوليّاتهن، ويمكنهن من فهم مستجدات العصر لإجادة التعامل مع أولادهن وتقريب المسافات والثقافات بين الأجيال، كما عليهن التَّحلِّي بالقدوة الحسنة ليكن لأولادهن المثال القريب والمباشر الذي يحتذي به، فإن التربية بالقدوة من أنجع الأساليب التربوية المؤثرة والفعالة في ضبط وتوجيه وتعديل السلوكيات ، وهذا ما يؤكده المنصفون من علماء الأخلاق والاجتماع، قال جورج هربرت: إن أمًا صالحة خير من مائة معلّم، والأم في البيت دليل للقلب والعين والتشبه بها دائم.[9]

وكما يقول معروف الرصافي:[10]

ولم أر للخلائق من محلِّ *** يُهذِّبها كحِضن الأمهات

فحضنُ الأمِّ مدرسةٌ تسامَتْ *** بتربيةِ البنين أو البناتِ

وأخلاقُ الوليدِ تُقاسُ حُسنًا *** بأخلاقِ النساءِ الوالداتِ

ويقول حافظ إبراهيم:[11]

الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتهَا *** أعددتَ شعبا طيِّبَ الأعراق ِ

الأمُّ روضٌ إن تعهدهُ الحيا *** بالرَّيِّ أورقَ أيُّمَا إيراقِ

الأمُّ أستاذ ُ الأساتذةِ الألى *** شغلت مآثرهم مدى الآفاقِ


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

([1]) نمو الطفل وتنشئته بين الأسرة ودور الحضانة – د. فوزية دياب – ص 36 – مكتبة النهضة المصرية – مصر – سنة 1978م – بتصرف.
([2]) .Mendels, J.M. Concepts of Depression, Wiley, New York, 1970
([3]) .Restak, r: the origins of violence, new york, 1965, p: 92
([4]) متفق عليه.
([5]) رواه أبو داود في سننه – باب من أحق بالولد 3/ 588(2276)، ورواه الإمام أحمد في مسنده 11/ 311(6707)، والحاكم في المستدرك2/225(2830) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبى، ورواه البيهقي في الكبرى 8/7(15763) وفي الصغرى 3/ 194 (2907)وفي معرفة السنن والآثار11/ 303(15609)، والبغوي في شرح السنة 9/ 333(2399)، وفي كنز العمال 5/581(14035)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/709(368).
([6]) متفق عليه.
([7]) متفق عليه.
([8]) فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني 10/402.
([9]) الآخلاق – لصمول سميلز – ص 44.
([10]) الأبيات من قصيدة بعنوان ” هي الاخلاقُ تنبتُ كالنبات” للشاعر العراقي معروف الرصافي.
([11]).أروع ما كتب شاعر النيل حافظ إبراهيم – ص 125– الهيئة المصرية العامة للكتاب – سنة 1995م.
عرض التعليقات
تحميل المزيد