عِطْرُ أخلاقها وقوة إرادتها وحبها لقضيتها وإخلاصها لحبها جعل من الفيحاء فيحاءً بعطائها، فيحاء بانتمائها لزوجها ووطنها، جعل منها أسطورة المرأة التي كسرت بدعمها لزوجها قيد ظلمٍ قُيّد به.

هي نقطة فاصلة بين أن تكون أو لا تكون، منذ أن طرق الاحتلال باب منزلها في الحادي والعشرين من ديسمبر المنصرم وأخذ زوجها قسرًا، ومنذ أن أعلن زوجها الإضراب عن الطعام بعد خمسة أيام فقط من اعتقاله، أعلنت بداخلها أنها لن تكون بعد اليوم إلا فيحاء.

95  يومًا من معركة الأمعاء خاضها زوجها و95 يومًا لم تغب هي عن المشهد حتى صنعت ومحمدها مشهدًا أسطوريًا احتواه واحتواها.

أية قوة تلك التي جعلتها تتحدى جيشًا بأكمله؟ أية إرادة تلك التي تسلحت بها؟ هي لم تلطم خدها وتندب حظها العاثر ولم تتمنَ ولو سرًّا أن يُقلع زوجها عن فكرته التي ستودي بحياته، هي لم تتقوقع في منزلها لاعنةً كل ما يحدث، هي ليست كذلك.

هي سيدة المحمد لذلك سادت بحبها على غطرستهم وأرادت أن تضع نهاية لكل مهازل الاحتلال بحقها وحق زوجها وأبنائها.

حاربت دون أن ترى زوجها أو تتواصل معه، وضعت خطتها وتسلحت بحبها، أدركت أنه قد حان دورها في النضال وأنها لابد أن تكون أسطورة ترسم معالمها لغيرها بأنه لا شيء فوق إرادة المرأة، عليها أن تثق بنفسها وتتوكل على ربها وكل شيء بعد ذلك سيهون، كل الصعاب ستزول، كل العقبات سيمحي أثرها، كل عقدة في حبل قضيتها ستُحل.

هي لم تكن يومًا سيدة عادية لتكون اليوم عادية، هي الأسطورة، هي التضحية، هي الجيش.

زوجها بجسده الواهن وهي بلسانها الصارم، طال الطريق لكنه أزهر وتحقق المُنى وانكسر القيد.

دروسٌ عدة تُستخلص من نموذج الفيحاء ومحمدها منها أنه لا سبيل إلا لأن تكون لأنه إن لم تكن فسيكن ما لا يرضيك قطعًا، ولا تنتظر من غيرك أن يحمل همّ ألمك ووجعك بادر بالخطوة الأولى وكن على يقين بأن الله معك لأنك حق و«الحق» لا يتخلى عن الحق.

يتقوقع الواحد منا خجلاً أمام عظمة إرادة مثل تلك الشخصيات، هي لا تختلف عن غيرها بشيء أو تمتلك قدرات خارقة للعادة لكنها تملك حبها ويقينها بعدالة قضيتها خاضت المعركة وانتصرت، الفيحاء فاحت وفاح شذاها.

الفيحاء نموذج من آلاف النماذج الفلسطينية وبدراستها لا يحق لنا أن نُلغي دراسة بقية النماذج، لكن عظمة تلك النماذج تحتم علينا التفرد بالحديث عن كل نموذج منها على حدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد