«ولكنني كنت أعیش من أجل غد لا خوف فیه، وكنت أجوع من أجل أن أشبع ذات یوم، وكنت أرید أن أصل إلى ھذا الغد، لم یكن لحیاتي یوم ذاك أیة قیمة سوى ما یعطیھا الأمل العمیق الأخضر بأنّ السماء لا یمكن أن تكون قاسیة إلى لا حدود، وبأنّ ھذا الطفل الذي تكسرَّت على شفتیه ابتسامة الطمأنینة سوف یمضي حیاته ھكذا ممزقًا كغیوم تشرین رمادیًا كأودیة مترعة بالضباب ضائعًا كشمس جاءت تشرق فلم تجد أفقھا.

ورغم ذلك، كنت أقول لذات نفسي: «اصبر یا ولد أنت ما زالت على أعتاب عمرك وغدًا وبعد غد سوف تشرق شمس جدیدة، ألست تناضل الآن من أجل ذلك المستقبل؟ سوف تفخر بأنك أنت الذي صنعته بأظافرك منذ آسة الأول… إلى الآخر» وكان ھذا الأمل یبرر لي ألم یومي وكنت أحدق إلى الأمام أدوس على أشواك درب جاف كأنه طریق ضیق في مقبرة».

(1)

كان الخوف ولا زال موضوعًا یجده الأدباء حقلاً خصبًا یستقون منه المعنى، یجدون فیه بحرًا واسعًا ینھلون منه لإثراء كتابتھم، وآثرت أن أبدأ بـمقطع كتبه غسان كنفاني في مجموعته القصصیة تحت عنوان «موّت سریر رقم 12».

«إنني أكتب عن الخوف بدافع الخوف من الخوف!»

عندما یشتد بك الألم أول ما تبحث عنه ھو مُسَكن یمنع عنك الألم، یحجبه، أو ربما یخففه إلى الحد الذي تسطیع تجاھله، تعتاد تدريجیًا علیھا إلى الحد الذي قد یدفعك إلى إدمانها كأنھا تحولت إلى احتیاج مثلھا مثل الماء. الألم ھو مربط الفرس ومنه المنطلق فھو جسديّ أو نفسي وھناك الألم الناشئ عن الخوف، الألم المرتبط بالوھم… إلخ. لا یھمني سوى ألمین منھم الألم الناشئ عن الخوف والألم المرتبط بالوھم، أمّا الأول فھو ما سأتناوله بالحدیث وأمّا الآخر فنفرد له مساحة أخرى.

الألم الناشئ عن الخوف، ھو جزء لا یتجزأ من التركیبة النفسیة لأي إنسان، فلا یوجد إنسان لا یخاف، مھما ادّعى ذلك أو أنكر أو تجاھل، فلا یوجد إنسان بلا خوف ولا یسكن الخوف إلا إنسان، لا یشغلنا الخوف الطبیعي ولكن یشغلنا الحالات المتقدمة التي یتحول فیھا الخوف إلى شعور دائم «قلق» وقد یتطور إلى اكتئاب أو وسواس، وفي عصرنا هذا يندر وجود الإنسان السوي نفسيًا أو للدقة يستحيل وجوده، وكعادة كل شيء يزيد على حده يتحول إلى خلل يؤثر على باقي الجسم.

في زيادته عن الحد يتحول إلى زائر دائم ربما أفسد علیك فرحتك بشيء ما یومًا، أو طرد النوم من عینیك لیالٍ طوال، أو ربما دفعك إلى ملازمة سریرك أیامًا لا تتحدث، أو ربما أفقدك رغبتك في الحیاة، وملأ رأسك بأفكار دفعتك إلى الاقتراب من حافة الجنون.

أجده يسلك سلوك القاتل الصامت الصبور الذي ینھش فیك ببطئ، یترصد بك، یرافقك في كل لحظة، ینتظر لحظته المُثلى لـیقضي علیك لـیدفعك لموت محتم، والموت ھنا مجازي وحقیقي، فكم من أناسٍ ھم «موتى ولكن على قید الحیاة».

ربما أورثك ھمًا أو حزنًا دفینًا أو ولَّد فیك خوفًا من كل شيء وسلبك أغلى ما تملك، ربما سلبك الفرصة، العمر، الأمل حتى أصبحت مجرد خواء في جسدٍ ما أن تمر بك ریح عاصف حتى تقتلعك من جذورك إن كان لك جذور!

أحیانًا قد یسلبك إیمانك، إیمانك باللّه، إیمانك بنفسك، إیمانك بكل شيء، إیمانك بجدوى أنك تكون على قید الحیاة، في حالاتٍ متقدمة منه تنتھي غالبًا بنھایة مأساویة.

أجده سلاحًا خطیرًا لو سكن الناس لفسدت أمورھم وانتكس حالھم، في القدیم كان الخوف بسیطًا مجرد خوف من الوحوش خوف من ألا یجد الإنسان الطعام والماء، ألا یجد المأوى، لكن كعادة الزمن لا یظل شيء على حاله كلما تعقدت المجتمعات وتطورت تعقد الخوف وتتطور، لكن صاحبنا هذا لم يظل على حاله فتوحش.

لقد صرنا كحالة الإنسان الأول أمام الوحوش، ولكنه وحش من نوع مختلف وحش لیس له وجود مادي ربما ھو أقرب إلى روایات الخیال العلمي وقصص الفانتازیا والرعب التي ضيعت النوم من أعيننا في صغرنا.

فى مشھد من الفیلم الساخر«النوم في العسل» یجد ضابط المباحث نفسه أمام وباء ینتشر في المناطق ذات التكدس العالي، عجز جنسي أدى إلى انتحار وجرائم قتل على مستوى واسع، وبرغم سخریة الفرضیة وما ترتب علیھا في أحداث الفیلم التى دفعت ضابط المباحث إلى البحث عن أصل الظاھرة ومسبباتھا والتى قادته إلى سؤال أحد الأطباء، في حواره مع طبیب الأمراض التناسلیة تحدَّث عن الخوف باعتباره أحد مسببات الوباء وأقتطع جزءًا من الحوار عن سبب الظاھرة:

«س. ضابط: أنت شایف إيه؟

ج. طبیب: ممكن تكون حالة إحباط عامة، برامج التلفزیون بتجیب إحباط، قرایة الجراید بتجیب إحباط، كتر سماع الكذب بیجیب إحباط، الخوف من المستقبل ممكن یعمل خلل في كل وظایف الجسم.

س.ضابط: ممكن یبقى سبب ملموس.. سبب مرَضي مثلا؟

ج.طبیب: مفیش غیر المخ، ممكن كل وظایف المخ تصاب بالخلل».

تخیل إن مجرد شعور یمكن أن یترك ھذا الأثر في نفس صاحبه، ما بالك بھذا الوحش یھاجم المجتمع فردًا فردًا لا یترك حیًا إلا ویتلّبسه، یدفعه إلى الانطواء أمام الخوف من عدم قدرته على تلبیة احتیاجاته الشخصیة یجعله، یتصاغر، ینسحق أمام واقعه أمام طموحه أمام جمیع من خذلھم بدعوى الخوف من الآتى!

یصیب المجتمعات كوباء وھو في خرابه أشد من الوباء یسلبھم كل شيء، یصبحون أقرب إلى القطیع الذي یبحث عن مرعى وعشب وماء فقط، أو مجرد خیالات وانعكسات له، مجرد ضحایا لنفس القاتل في جریمة إبادة جماعیة على مرأى ومسمع من الكل لكن لم یلاحظھا ولم يلتفت لها أحد!

وصاحبنا هذا ما أن يحل بأرض حتى يجعل البلاد والعباد فريسة سهلة لكل ظالم مستبد، یدفع بجلادیه إلى الناس فلا یتركونھم، وزرعوا فیھم الخوف من السوط ومنافقة الحكام

قالوا آفة حارتنا النسیان ولكنھا في الحقیقة «آفة حارتنا الخوف». الخوف من الماضي والحاضر والمستقبل، منذ أن یولَد الطفل حتى موته مع كل مرحلة یُزرع فیه الخوف من شيء ما، كأنه جاء إلى ھذه الدنیا لیضیّع عمره في الخوف: الخوف من عصا الأب، الخوف من الناس، الخوف من المستقبل، الخوف من الله والآخرة. الخوف من الحاكم، الخوف من الفرص الضائعة، الخوف من أن یفوتك قطارات الحیاة، الجواز، الخلفة، الشغل… إلخ. دوائر من خوف لا تنتھي، وكأن العالم عُملة لھا وجھان، یقع الخوف على أحدھما.

«الخوف أذل أعناق الرجال. السينما تعج بالأبطال الذين يتحدون الظلم. الكتب تعج بالرجال ذوي المبادئ الذين لا يخافون ولكن يغضبون. أحلام المراهقات مفعمة برجال مفتولي العضلات منتصبي القامة يتحدون الشر. يخيل لي أن السينما والكتب والأحلام أخذت كل هؤلاء الرجال، فلم يبق منهم عدد كاف للحياة نفسها». (2)

فھل – یومًا سنرى ثورة على الخوف؟ سننتفض لنطھر أنفسنا من میراث الخوف؟ نحمل الشجاعة لخوض المواجھة مع ھذا المحتل الغاشم لننتزع منه ما تبقى من حیواتنا؟ أن ننتزع منه الإرادة مرة أخرى، أن لا نسير متوجسين من كل شيء، أن نجد لحيواتنا بعدًا آخر لا يسلب فيه الخوف حتى آخر ما تبقى في قلوبنا من ضحك، أن لا نسلم له دواخلنا دون عناء! هي معركة فردية في الأساس، فكم منا من يمتلك الشجاعة ليخوض غمارها، لست بعالم اجتماع أو بخبير نفسي ولا أملك العلاج الناجع، لا أملك سوى أن ألفت النظر.

(1)غسان كنفانى، موت سرير رقم 12

(2) أحمد خالد توفيق، مثل إيكاروس

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد