منذ اندلاع أحداث العنف والتعذيب من قبل ميليشيات جماعة الإخوان المسلمين ضد المعتصمين في محيط القصر الجمهوري، والتي عرفت لاحقًا بأحداث الاتحادية، بدأت الخطوات الجدية لتحرك جاد على أرض الواقع لخلع الرئيس الإخواني محمد مرسي، وظهرت حركة تمرد التي يقودها بعض الشباب المعارض، والتي دعت لسحب الثقة من مرسي والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة عن طريق مظاهرات حاشدة تبدأ في الثلاثين من يونيو 2013، دعمها وشارك فيها كل طوائف المعارضة على مختلف توجهاتهم – ما عدا القوى الإسلامية بالطبع – إلى جانب دعم شديد الوضوح من قبل الجيش والشرطة المصرية، وانتهى الأمر فعليًا في 3 يوليو بإعلان وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي إنهاء حكم محمد مرسي وتسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور.
بعد انتهاء صخب الأحداث، بدا الانقسام واضحًا في معسكر الثوار الذين لعبوا دور المعارضة في السابق، وباتوا الآن من مؤيدي السلطة، فالأغلبية منهم الذين وقفوا في الميدان في الأعوام القليلة المنصرمة ينادون بإنهاء دولة مبارك الفاسدة، ثم وقفوا في نفس المكان ينادون بسقوط حكم العسكر، ثم وقفوا ثالثًا منادين بسقوط حكم الإخوان المسلمين؛ باتوا اليوم يتغنون بمزايا الحكم العسكري، ويعربون عن أسفهم لمشاركتهم يومًا في الثورة التي “خربت البلاد” على حد تعبيرهم، ويؤيدون وبكل شماتة الاعتقالات والتعذيب وسفك الدماء الذي طال زملاءهم السابقين الذين ظلوا على موقفهم، والذين لقبوهم بـ”شمامين الكلة” كنوع من السخرية على هؤلاء المتشبثين بحلمهم بوطن أفضل ودولة مدنية حديثة، متهمين إياهم أنهم كادوا أن يلقوا بمصر في التهلكة لأن الثورة قد جلبت لمصر حكم الإخوان، ناسين أو متناسين أن الإخوان لم يصلوا إلى حكم البلاد إلا بعد أن فتح لهم العسكر الباب على مصراعيه.

 

لم يكتفِ الثوريون السابقون بذلك، بل وضعوا المعارضين للحكم العسكري ولترشح السيسي في موضع الخصومة والمنافسة، وصار النيل منهم ومن سمعتهم هدفًا في حد ذاته، وتبارى هؤلاء الثوار السابقون في السخرية منهم، وهلل من نادوا يومًا بالحريات، بتكميم الأفواه، ورقصوا طربًا يوم أن أجبر “باسم يوسف” على إيقاف برنامجه، بل صارت عداوتهم للمتشبثين بحلم الثورة أكثر من عداوتهم للإخوان أنفسهم، لكن لماذا حدث ذلك؟
في يوم شديد الحرارة من صيف 1960 خارج مقاطعة كولمان بولاية تكساس الأمريكية، وفي ساعة الظهيرة كانت الأسرة بأكملها مسترخية تلعب الدومينو بهدوء في شرفة المنزل مكيفة الهواء، إلى أن اقترح والد الزوجة فجأة الذهاب في رحلة إلى مدينة “أبيلين Abilene” التي تبعد نحو 53 ميلًا نحو الشمال فقط بقصد العشاء.

 

للوهلة الأولى كان لابد أن تبدو الفكرة للجميع غبية ومرهقة، خصوصًا في ظل درجة الحرارة المرتفعة والغبار الذي يلوح في الأفق، لكن يا للغرابة لم يبدُ على أي منهم الاعتراض، فأيدت الزوجة على الفور الفكرة ووصفتها بأنها فكرة رائعة، وكذلك فعل الزوج بالرغم من أنه يملك أسبابًا منطقية للرفض؛ فالمسافة طويلة والجو شديد الحرارة لكنه لم يفعل خشية الخروج خارج رأي القطيع وخارج ما ترغب به المجموعة، لكنه – وكأمل أخير في تغيير رأي المجموعة – تعلل براحة الأم وخوفه من رفضها للذهاب، غير مدرك أنه بذلك كان يدفعها دفعًا للموافقة حتى لو كانت سترفض الأمر، فالخوف من فكرة الخروج عن القطيع قد سيطرت على الجميع، فوافقت الأم، بل تمادت في تأكيد الموافقة معللة أنها لم تذهب إلى هناك منذ فترة طويلة، وذهبت العائلة ويا ليتها ما ذهبت، فالطريق كان شديد الحرارة والغبار يلتصق بوجوههم الغارقة في العرق ليزيدهم ضيقًا فوق ضيقهم.

وعندما وصلوا إلى مطعم لتناول العشاء، كان الطعام سيئًا للغاية بقدر سُوء الطريق، فانصرفوا عائدين إلى المنزل، ووصلوا بعد أربع ساعات كاملة من الإنهاك المتواصل، قال أحدهم مُجاملًا محاولًا تلطيف التأثير السيء للرحلة “لقد كانت رحلةً رائعة، أليس كذلك؟”، وقالت أم الزوجة “إنه كان من الأفضل لها البقاء في المنزل ولكنها ذهبت برفقتهم حين وجدت الثلاثة الآخرين متحمسين جدًا”، وقال الزوج “لم أكن مسرورًا للقيام بما قُمنا بهِ، أنا كُنت أرغب فقط في إرضاء الجميع”، وقالت الزوجة “أنا ذهبت برفقتكم لإبقائكم سعداء، قد أكون مجنونةً للرغبةِ في الذهاب خارجًا في حرارة الشمس هذه”، ثم قال والد الزوجة “أنه اقترح ذلك فقط لأنه ظن أن الآخرين قد يشعرون بالملل”. أصيب الجميع بالدهشة والحيرة لأنهم قرروا معًا الذهاب في رحلة لم يرغب أحد منهم بها قط، بل إن جميعهم قد اعترفوا أنهم قد فضّلوا البقاء والاسترخاء في المنزل، ولكن لم يعترفوا بذلك.
في عام 1974 كتب جيري هارفي Jerry B. Harvey  البروفيسور بجامعة جورج واشنطن، مقالة شهيرة بعنوان متناقضة أبلين  The Abilene Paradoxوتحدث فيها عن ظاهرة أبلين التي تعد شكلًا من أشكال الخضوع أو التأثير الجماعي، بسبب ثقافة الخوف من الخروج عن القطيع الذي يعرف علميًا باضطراب قلق الانفصالseparation anxiety ، والذي يعني أن الفرد عادة لا يفضل أبدًا التصرف عكس ما تريده المجموعة، ويؤثِّر قلق الانفصال عن القطيع على سلوك الجماعة بشكل مباشر، ويثني الفرد في أغلب الأوقات عن التعبير عن مشاعره بصراحة أو السعي وراء أهوائه، لأن ألم الانفصال عن القطيع يكون أشد إيلامًا من ألم كبت الأهواء والآراء الحقيقية، وبعد فترة لا يلبث الفرد إما أن يقتنع تمامًا برأي الجماعة ويصير من أشد المدافعين عنه حتى لو كان معارضًا له في البداية، أو أن يستعيد عقله مرة أخرى ويجد في نفسه الشجاعة للخروج عن القطيع بعد هدوء هوجة الخضوع الجماعي ويعبر عن آرائه المناقضة لآراء الجماعة.

وهذا التغيير اللاحق يتعلق مباشرة بمدى نضج الفرد وسلامة صحته النفسية وقوة شخصيته، وتستخدم هذه النظرية عادة لتبرير القرارات والخيارات السيئة في الحياة بشكل عام، وتفسر بشكل مبسط التناقض الهائل في سلوك جزء ضخم من الثوريين، قبل وبعد أحداث 30 يونيو، وتبريرهم مثلا لمذبحة رابعة واعتقالات مجلس الشورى بشكل يرضي ضمائرهم ويقيهم من ألم الانفصال عن القطيع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد