يرى شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول أن حكم الساب المتطاول على النبي وهو لا خلاف عليه بإجماع العلماء أشد من حكم الكافر الحربيي. لذا فإن جاز لنا التعامل مع الحربى بشروط وضوابط؛ فإنه من الأوجب علينا مقاطعة من يقرون التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم حفظًا لمقامه وإعلاءً لشأنه.

ليست هذه المرة الأولى التي يتطاول فيها الغرب برموزه على القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم، ناهيك عن الاعتداءات العنصرية والمضايقات اليومية التي يمارسها متطرفون بحق الإسلام والمسلمين، سواء كانوا من اللاجئين أو الجاليات العربية، أو حتى على المسلمين من بني جلدتهم، يحركهم في ذلك حقد أعمى على الدين الأكثر تأثيرًا وانتشارًا في العالم. ولا يجد هؤلاء في أغلب الأحوال، إلا كل الدعم والتأييد من الأنظمة التي تحكمهم بحجة الدفاع عن حرية التعبير والقيم العلمانية.

فى 2005 نشرت صحيفة دنماركية عدة رسوم مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم كانت قد أعدت للنشر في كتاب يتطاول على شخصه الكريم. قامت بعدها عدة صحف أوروبية بإعادة نشر هذه الرسوم معلنين تضامنهم مع الصحيفة الدنماركية، وكانت تشارلى آبدو – وهى صحيفة يسارية ذات خط إلحادي واضح – من أوائل هذه الصحف التي أعادت النشر، والتي وصل عددها إلى ما يقرب من 84 صحيفة في أوروبا، والولايات المتحدة وحدهما. لم يبادر أي مسئول دنماركي، أو أوروبي، بالاعتذار، بالرغم من تصاعد حدة الغضب الإسلامي، وظل الأمر يراوح مكانه.. وأطراف مشبوهة تحاول تحسين صورة الدنمارك مدعين أن الأمور قد خرجت عن سياقها، وأن الكلام قد تم تحريفه، وأن رئيس الوزراء الدنماركي قد اعتذر عن الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن سرعان ما يثبت بطلان هذه الادعاءات، وتؤكد الدنمارك أنها لم ولن تعتذر عن الرسوم، وإنما تأسف فقط لما سببه ذلك من أذى لمشاعر الملايين من المسلمين، وانتهى الأمر باعتذار قدمته الصحيفة للعالم الإسلامي باللغتين العربية والدنماركية. ظلت الحكومة الدنماركية متمسكة بموقفها تساندها أوروبا، حتى أن الاتحاد الأوروبي قد صرح على لسان رئيس مفوضيته بدعمه الكامل للدنمارك، وبأن حرية الرأى في أوروبا قيمة أصيلة لا يمكن المساومة عليها!

لا تختلف هذه التفاصيل كثيرًا عما يحدث هذه الأيام، وإن كانت ردة الفعل الشعبية والرسمية على الصعيد الإسلامى حينها كانت أكثر قوة ووضوحًا وتوافقًا. فلم تتوقف عند خيار المقاطعة الاقتصادية الذي تزعمته المملكة العربية السعودية على أهميته البالغة؛ وإنما تخطاه لتصعيد سياسي ودبلوماسي كبير ساند الهبة الشعبية العفوية والمستمرة للتعبير عن غضب المسلمين ورفضهم القاطع للتجاوز بحق النبى صلى الله عليه وسلم أو التطاول عليه.

ويقودنا تكرار مثل هذه الجرائم وغيرها بحق المسلمين إلى أهمية قرار المقاطعة كوسيلة فاعلة وناجزة في أيدى شعوب مستضعفة تركت وحيدة في دفاعها عن الدين والأرض. فالمقاطعة الاقتصادية حتى إن كانت لا تحقق المرجو منها من حيث التأثير بدرجة كبيرة في اقتصاديات الدول التي نقاطعها، إلا أنها قادرة على توصيل العديد من الرسائل لهذه الدول، وكذلك على إيقاظ الهمة في النفوس.

ولعل أهم ثمار هذه المقاطعة هو التحرر من النمط الاستهلاكي الرأسمالي الذي تفرضه فرنسا وغيرها من الدول التي تمارس علينا هيمنتها الإمبريالية منذ قرون. وتغيير ذلك النمط من الثقافة، أو أي مساس به هو ما يزعج الغرب أكثر من أي خسارة مادية محتملة لما يتضمنه من إهانة وكسر لهيبة تلك الدول المتكبرة التي تتعامل معنا بمنطق السيد والرعية. ويعد بيان الخارجية الفرنسية، والذي جاء بصيغة الأمر أكبر دليل على ذلك، وفيه تستنكر الخارجية دعوات المقاطعة العبثية التي يجب أن تتوقف فورًا.. فبقاء المجتمعات العربية مجتمعات استهلاكية غير منتجة ومعتمدة على الغرب في كل صغيرة وكبيرة هو هدف أساسي يضمن تبعيتنا وتخلفنا.

ولكي نتحرر من تلك التبعية الاستهلاكية الجشعة والمقززة علينا أولًا أن نعود إلى قيم الإسلام؛ فنهذب النفس ونعودها الصبر، والزهد، والاستغناء، فلا يميل الغني للتفاهات، وينكب على الموضة، والماركات العالمية، والأسماء الرنانة في المأكل، والمشرب، والملبس. ولا يتعود الفقراء ومتوسطو الحال على اقتيات الفتات والبقايا التي يلفظها الإقطاعيون في الغرب والشرق. ونذكر أنفسنا بمقام هذه الأمة بين الأمم فلا نكون إمعات كما حذر الرسول صلى الله عليه وسلم، ونعمل بقول الله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله».

وتخلصنا من تلك الثقافة الغربية في الاستهلاك سيقودنا حتمًا إلى الاعتماد على المنتج المحلى.. وهنا تكمن المشكلة الكبرى عندما نجد أننا لا ننتج شيئًا مهما بنفس جودة وسعر المنتجات العالمية – هذا إذا كنا نتتج أصلًا – فالمشكلة أكبر بكثير من مجرد علبة جبن أو عبوة شامبو.. المشكلة تكمن في سياسات اقتصادية مغلوطة ومفروضة علينا. إذ كيف نتحرر ونستقل اقتصاديًا وسياسيًا، ونحن لا نأكل مما نزرع ولا نلبس مما نصنع، ونحارب بسلاح غيرنا لصالح أعدائنا! هذا القصور والخلل الذي أوقعنا فيه أعداء الأمة وعملاءهم في الداخل جعلنا أكبر عدو لأنفسنا، فإذا ما حاولنا أن نقاطع المجرمين قطعنا أنفسنا معهم!

لا حل جذري لهذه المشكلة في ظل أنظمة تتبنى السياسات التخريبية لصندوق النقد الدولي، لذا لا يسع الشعوب إلا تفعيل الجهد المجتمعي كما يحدث الآن حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فما لا يدرك كله لا يترك كله، وعلينا أن نتقي الله ما استطعتنا. وعلى المنتجين والمستثمرين الشرفاء، كل في مكانه، العمل على تغيير هذا الواقع المؤلم فورًا؛ فهم مسئولون.. وعليهم إجبار الأنظمة العربية على نهج سياسات اقتصادية مختلفة تحد من اعتمادنا شبه الكامل على الآخرين؛ خصوصًا ونحن نملك كل المقومات البشرية والطبيعية التي تمكننا من ذلك. وعليهم أيضًا البحث عن سبيل لتعزيز التعاون والتكامل الاقتصادى العربي الذي تعرقله الحدود المصطنعه والعقلية القطرية القاصرة، حتى نتمكن من تفعيل السوق العربية المشتركة، وتحقيق الوحدة الاقتصادية بأيدي شعوب حرة في وطن حر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد