يواجه الجميع نفس السؤال الذي يلح بشكل غريب على صاحبه، وهو لماذا نحن فاشلون؟

وأنا في هذا المقال لا أدعي أنني أقدم أسباب الفشل كاملةً، ولكني أقدم جزءًا من أسباب فشل المجتمع العربي من وجهة نظر إنسان يعيش في هذا المجتمع؛ ولكي أشرح أسباب الفشل أعتقد أننا يجب أن ننظر في مراحل حياة الإنسان العربي، ولكنا نواجه هنا مشكلة قد تتركني لأكتب مقالًا آخر حول نفس الموضوع، وهذه المشكلة هي مشكلة التمييز بين الرجل والمرأة. ففي مجتمعنا المرأة والرجل لا يعيشان نفس مراحل الحياة، ولا يجمعهما لا وجود ولا مصير مشترك.

وكأن المرأة في مجتمعنا إنسان نخب ثانٍ، لذلك يجب أن أبدأ بمراحل حياة الشاب العربي في هذا المقال، ثم أكتب عن مراحل حياة الفتاة العربية بسبب التمييز.

لنبدأ الآن بمراحل حياة الذكر العربي ولنبدأ بمرحلة الطفولة: الطفولة هي أهم مراحل الحياة وأفضلها، فهي تتسم بأفكارها البريئة والطيبة وترتكز أهميتها في أن الطفل في هذه المرحلة يكون متسائلًا عن كل شيء، ويحاول أن يكتشف كل شيء، ولكن الطفل العربي يعاني من تقييد حبه لاكتشاف الأشياء والطبيعة والمجتمع والمحيط، وذلك بسبب أن الأهل في هذا العمر يبدؤون بتعبئة عقل الطفل بالخرافات، فتارة يجب أن ينتبه من الظلمة خوفًا من الجن، وينتبه من الخلوة خوفًا من الشياطين، وينتبه من العفريت والحنفيش وما إلا هنالك، فيصبح خائفًا لا يستطيع أن يستكشف محيطه ولا أن يتم مرحلة الطفولة ومرافقاتها من حب التساؤل والاكتشاف، ويضطره هذا لأن يدرك مرحلة المراهقة دون أن يتم مرحلة الطفولة، وتكون المراهقة بهذا مكسورة مسبقًا.

المراهقة: هي من أجمل مراحل الحياة، وفيها يجب أن يكون الإنسان حصد معارفه بالطفولة، ويجب أن يتوجه الآن لاختبار خبرته واكتسابها فيعود ليجد نفسه مرة أخرى محاصرًا بالعادات والتقاليد وكلام الأكبر سنًّا، ويترافق هذا مع خوفه الخرافي المكتسب من الطفولة، أما الآن فقد توسع الخوف وأصبح الخوف خوفين، فأصبح اليوم يخاف أن يتكلم أمام الأكبر سنًّا، وأن يتجاهل الأعراف والتقاليد ويحكمه مقولتهم الغريبة «أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة» مما يجبره على أن يلوذ بالصمت أمام كلام الآباء والأجداد والأكبر سنًّا عمومًا؛ بل حتى لا يشاركهم أحاديثهم لأنه هو الجاهل بنظرهم وهم الأكبر والأعرف، وكأن السن يرتبط بالمعرفة، ويقف دون حراك أمام عادات المجتمع وتقاليده البالية والسيئة التي لا يستطيع أن يتخطاها أو يكسرها أو حتى يقترب منها، فكله إما عيب أو حرام. وأقول هنا عن الحرام إنه عادات لأن الحرام لدينا لم يعد يرتبط بالدين أبدًا، فالكثير من الأشياء والأسئلة يحرمها المجتمع، ويجعلون تحريمها جزءًا من الدين.

فلكم سمعت أحد المراهقين يسأل معلمه أو أباه أو الأكبر سنًّا إجمالًا أسئلة تجول في خواطره مثل: «إذا كان لكل شيء خالق فمن خلق الله؟» فيكون الجواب الشافي والكافي له أن اقرأ المعوذات واستعذ بالله من هذه الأسئلة، أما فيما يخص الأسئلة الجنسية فهي محاصرة من كل الأطراف، فهي عيب وحرام وتخالف عادات الشرف الكاذبة التي تربط الشرف بعلاقة من المحتم إقامتها، قبل أن يكون الشرف بالصدق والإخلاص والقيم الطيبة والخيرة.

ووسط كل هذا يتجه المراهق العربي لمرحلة الشباب وهو محاط بكل هذه القيود من الخوف وما إلى هنالك، وهو أسير سجنه الفكري الأشد صعوبة من السجون الحديدية، وبحكم كثرة العادات والتقاليد الكاذبة والسيئة يسجن مرة أخرى في شبابه بعادة الزواج المبكر، الذي يضعه أسيرًا راكضًا وراء لقمة العيش دون أن يدركها، ووراء عائلة لا يستطيع إعالتها بسبب تردي الأحوال الاقتصادية بالوطن العربي، لينهي مرحلة شبابه راكضًا وراء رغيف الخبز، وينتقل لمرحلة الشيخوخة مكبلًا بخوفه وأوضاعه المادية المزرية، أسير عادات مجتمع أكل عليها الدهر وشرب، دون أن يقدم شيئًا إلا الخوف لمجتمعه وممارسة دوره بتربية أطفاله على الخوف الذي تربى عليه، ليعود ضحية الأمس مجرم اليوم.

يدخل مرحلة الشيخوخة ليبدأ يعد نفسه لعذاب القبر وجهنم والحمم الحارقة فيها، ناسيًا أن الله محب لعباده ضاربًا برحمته التي وسعت كل شيء عرض حائط، مكملًا حياته مع مخاوفه التي مر بها، يندب حظه ويبكي لعنته التي جعلته يولد في الشرق الأوسط، ويكمل حياته بين جميع هذه القيود والسجون والعادات السخيفة التي ساهمت بجزء كبير في جعله فاشلًا.

لا أزعم أني شرحت في هذا المقال كل مراحل الحياة ومرفقاتها من خوف، فالكلام يطول والخواطر كثيرة، وستكون لنا وقفات أخرى أمام قضايا مجتمعنا، سنستفيد ونفيد بها إن شاء الله، ولا يدفعنا لهذا إلا أن نساهم في إخراج العربي من سجنه، والمارد من قمقمه، وتشجيعه على أن يقدم شيئًا لمجتمعه، ولكوكبه الأخضر الذي أصبح العربي فيه عالة على البشرية، فهو يأكل مما لا يزرع، ويلبس مما لا ينسج، ويشرب مما لا يعصر. وأختم مقالي هذا بالمقولة المعروفة للعظيم جبران خليل جبران.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد