قلت لهم : ألا تسكرون الأبواب، العاصفة هنا عند المفرق.
وقالوا: على مر الأيام تعودت الأبواب وسوف تتسكر وحدها عندما ترى العاصفة.
قلت: ألا تسكرونها أنتم بأيديكم القوية.
قالوا: مللنا الحياة … ( زياد رحباني )

الخوف يغلق العقل دوما، وكما كتب إدموند بيرك في إنجلترا قبل أكثر من عشرين عاما من الثورة الأمريكية، ليس هناك شعور يسلب العقل كل قوى التصرف والتفكير بصورة مؤثرة مثل الخوف.

تراث من التوتر في العلاقة بين العقل والسلطة في مصر، كان رفاعة الطهطاوي وعلاقته بالدولة العلوية فاتحة لذلك التراث، حينما ارتقى لأعلى المناصب، وكان أحد رواد الفكر التنويري في مصر بعد فترة من الاضمحلال الفكري التي عاشتها مصر والتي وصلت لذروات من الجمود الفكري بشكل خاص في العصور المملوكية والعثمانية في مصر ثم انتهى مشواره منفيا في السودان بأمر من عباس الأول.

الخوف الكامن ونظرية دوامة الصمت

تطورات الواقع أعادت ترتيب مصير الوقوف في وجه تطور صناعة «الخطابات الرئاسية» الذي لا يستدعي إلا مشهد سائقي الحنطور عندما شاهدوا أول رحلة للترام في الشوارع. هذا هو التحدي الأكبر أمام العاملين في هذه الصناعة، والشعب يدهش ويصفق وحسب.

على سبيل المثال:

سياسة «كسر المألوف» حيث اتبع السيسي في سياساته مع الشعب أسلوب كسر المألوف وما يبدو أنه خروج عن النص، فإن السيسي يفاجئ الجميع بعبارات يعلم أنها صادمة، ويقدّم لذلك عادة، ففي خطابه «رؤية مصر 2030».

ذكر أنه لو كان يعلم أنه قابل للبيع لباع نفسه. اضطر الجمهور في القاعة إلى تصفيق رتيب بعد هذه المفاجأة بما لا ينسجم مع جسامة الإفصاح، الذي لا يفرض أي التزام على الرئيس سوى أنه يكرِّس منطق البيع والخصخصة والتسليع في إدارة أزمة الاقتصاد المصري.

يملك السيسي قدرة مذهلة على استدعاء إشارات الانكسار العاطفي، مثل طأطأة الرأس، وتقليص الذقن، وذرف الدمع، لأنه في ذلك ينسجم مع طبيعة شخصيته غير الجسورة، وفي المقابل، اضطر السيسي في هذا الخطاب أيضًا إلى افتعال تعبيرات القوة والثقة بحركات آلية بالذراعين واليدين، استعمل السيسي لغة سلطوية واضحة، حضرت فيها الأنا بقوة، وتم فيها التلويح بإصبع السلطة العلوية مرارًا، ومن تعبيراته النصية السلطوية: «إذا بتحبوا مصر صحيح.. اسمعوا كلامي أنا بس»، وقد لوّح السيسي بحركة عرضية حادة من يده وذراعه تفيد بالجزم، وأنّ الأمر مقطوع به، وفي ذلك إشارة ترهيب جلية على منوال تهديده بمسح الخصوم.

فنحن أمام نصوص من الخطابات التي يمكن اعتبارها خطابات للأزمة أو بالأحرى خطابات رد الفعل، تصاغ لتبرير موقف ما أو طلب معونة أو دعم وتأييد، دون أن يكون هناك تماسك واضح بينها. أو قضايا رئيسية يطرحها هذا الخطاب بشكل دائم إلا أن هذا في حد ذاته أحد السمات التي ينفرد بها هذا الخطاب المتعرج الذي لا يتبنى استراتيجية واضحة، ولا يملك هدفا ثابتا يتطور في اتجاهه أو في عكسه.

سياسات الخوف في خطابات الدولة

أكد السيسي أن الدولة المصرية تعرضت خلال الفترة الماضية وما زالت تتعرض لمحاولات لإسقاطها، مضيفا أنه يتم الآن محاولات للعبث بوحدة المصريين.

وفيما يلي نص من كلمة الرئيس السيسي خلال فعاليات إطلاق استراتيجية مصر للتنمية المستدامة (رؤية مصر 2030).

«إن هدفنا هو الحفاظ على الدولة المصرية، أي دولة غايتها القومية هي بقاؤها، بمعني أن الدولة المصرية خلال الفترة الماضية أو السنوات كانت معرضة لتهديد حقيقي وما زالت، وتحدثت أمام البرلمان بكل وضوح هل من كانوا يتمنون ويعملون من أجل أن يكون مصير مصر كمصير الآخرين قائم أم انتهى، إذا كان انتهى فذلك خير ولكنها لم ينته بعد، ما زالت المحاولات تبذل لكي تسقط مصر».

وكما ذكر مركز دراسات الوحدة العربية : «إذا استغل الزعماء مخاوف الشعب كي يسرقوا الناس في اتجاهات ربما لا يختارونها في ظروف أخرى، فسرعان ما يتحول الخوف نفسه إلى قوة ذاتية التولد تستنزف الإرادة الوطنية وتصرف الانتباه عن التهديدات الحقيقة التي تستحق الخوف الصحي المناسب».

وتعقيبا على أسطورة «المؤامرة» التي تحاك ضد مصر، إن الزعامة تعني الإيحاء لنا بالتغلب على مخاوفنا أما «الديماجوجية» الغوغائية فتعني استغلال مخاوفنا لتحقيق مكاسب سياسية .

أيضا يفترض أن يعمل الإعلام بوصفه الجهاز المناعي للدولة على التوعية بالحقائق، بينما يذهب معظم الاهتمام الإعلامي لتغطية الحرب المثيرة للجدل ضد الإرهاب، التي تخوضها حكومة السيسي، وعواقبها الوخيمة على المجتمع المدني، وظروف حقوق الإنسان داخل مصر، فإنه يولي اهتمامًا أقل لرد فعل حكومة السيسي تجاه حق الشعب المصري في حرية التعبير في مرحلة ما بعد مرسي.

ومن خلال تلك السياسة يمكن لأي شخص لديه منبر مسموع أن يزيد قلق الناس ومخاوفهم ، حيث يملك الإعلام -بمساعدة قمع الأنظمة الحاكمة- قدرة التأثير على الفرد كي يدفعه للسكوت عما يريد أن يقوله عن طريقة «نظرية دوامة الصمت».

دوامة الصمت: آلية المتاجرة بالخوف

تعد هذه النظرية واحدة من النظريات التي تؤكد على قوة وسائل الإعلام في تكوين الرأي العام، وهي تهتم برصد آثار وسائل الإعلام على المجتمع.
وقد أسست هذه النظرية الباحثة الألمانية (إليزابيث نويل – نيومان) عام 1974م.
وترى (نيومان) عملية تكوين الرأي العام باعتبارها عملية دينامية، تتدخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وثقافية وسياسية، بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام كدور محوري في تكوين الاتجاه السائد حول القضايا المثارة في المجتمع.

الفكرة الأساسية للنظرية

تقوم الفكرة الأساسية للنظرية على أن الفرد يعيش في مجتمع ويتفاعل مع بيئة الرأي العام بمقوماته وعوامل تشكيله، لذلك فالفرد يميل إلى تشكيل رأيه طبقـًا للرأي العام السائد في المجتمع الذي يعيش فيه خوفا من مصادمةِ الرأي العام، وأن الإعلامَ يستطيع أن يعطي قناعة لدى جميع المتلقين أنَّ هذا هو السائد، ومِن ثَمَّ ترتفع الرغبةُ لدى مؤيدي هذه الفكرة، بينما يشعر المعارضون لها أو المؤيدون لأطروحات أخرى بالحرج والخجل فيلزمون الصمت؛ مما يحوِّلهم إلى «أقلية صامتة» في المجتمع؛ بل ذهبت النظرية إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الإعلامَ يستطيع إذا توحَّد على وجهة نظر مصادمة لرأي الأغلبية أن يحوِّلَها إلى «أغلبية صامتة» تخجل من مبادئها؛ حتى لو كانت هي مبادئَ الأغلبية؛ بينما الأقلية المساندة من الإعلام تشعر بأنها صارت الأصل! ولكي تنجح هذه الظاهرة، لا بد أن تتوحد وسائلُ الإعلام على أيديولوجية أو فكرةٍ أو هدف، وهذا حاصلٌ في حالات «إعلام الحاشية» في الدول القمعية.

ولعل هذا ما يفسره في علم النفس «تجربة الامتثال والانصياع لآش»

في تجربة لدراسة «تأثير الجماعة على الفرد» أو ضغط النظائر، لمعرفة حد الضغط الذي تحدثه مجموعة على الفرد، وكيف ينسجم هذا الفرد مع المجموعة إذا رأى أنه يشذ عنها، مما يدفعه إلى عمل نفس الفعل أو اعتناق نفس الفكر الذي تتبعه المجموعة لينضم إليها ويجاريها.

قام العالم النفسي البولندي «سولومون آش» بنشر عدد من نتائج التجارب والدراسات. دراسات بينت بشكل مذهل الأثر العظيم الذي يحدثه رأي الأغلبية في التأثير على المجتمع. تجارب آش التي سميت باسمه، يُستند إليها كثيرًا في تعريف هذا الفرع المتخصص في دراسة أثر الجماعة من علم النفس الآن.

لهذا إننا بحاجة إلى الإفلات من الواقع المزيف الذي تصنعه مؤسسات الاتصال الجماهيري.

القاعدة الرابعة: «يمكن التسامح في خطأ في الرأي حين يترك العقل حرا ليصارعه». توماس جيفرسون

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد