(1)

في الغرفة المغلقة تكشف الشاشة عن الجموع الهادرة، يقول أحدهم خائفًا: “إنهم كتلة واحدة، شكل واحد، علم واحد، هتاف واحد، قلب واحد، هؤلاء مستحيل أن ينهزموا”.

يرد وهو ينفث دخان سيجاره بكلمة واحدة حاسمة: “سنهزمهم”.

يرد ثالث في تشكك: “هل سنقتل كل هؤلاء؟!”.

لن نحتاج أن نقتلهم جميعًا، سنقتل الأقلية وستموت الأكثرية من تلقاء نفسها، فالدماء لا تروي ولا تُسكر من يسفكها، ولكنها تروي وتُسكر من يشاهدها.

(2)

كان يوم مجزرة إستاد الكلية الحربية، وكنت في طريقي للعودة، ألقي نظرة على شبكات التواصل الاجتماعي فأجد خبرًا عن سقوط 6 أفراد من ألتراس الزمالك، وألقي نظرة على الناس من حولي فأجد نظراتهم تبدو طبيعية، أفعالهم تسير بشكل مألوف، حديثهم إلى بعضهم البعض لا يدل على أن هناك شيئًا غير عادي يحدث. كنت حينها بين عالمين.

اقتربت من مقهى فوجدت المباراة تسير بشكل عادي، الجالسون بدو لي كالواقعين تحت تأثير منوم مغناطيسي.

تشجعت وسألت أحدهم:

– هو في إيه؟

– الزمالك مغلوب واحد!

(3)

“لا بد من استكمال الدوري بأي ثمن”.

الكابتن مدحت شلبي يرى أن ما حدث لا يجب أن “يوقف المراكب السايرة”، طالما لن يغرق هو ومن معه، فليذهب الباقي إلى الجحيم!
الإعلامي أحمد موسى خرج علينا ليؤكد “ما حدث اليوم بإستاد الدفاع الجوي هو مؤامرة تم التخطيط لها منذ أيام من جماعة الإخوان”.

المهم ليس حدوث مجزرة، المهم خلق أي تبرير لحدوثها.

فيما طالب الإعلامي تامر أمين، في حلقة برنامجه بتاريخ 10 من فبراير الجاري، بعدم الانشغال بحادثة قتل شيماء الصباغ ومقتل الألتراس، وأن نترك التحقيقات تأخذ مجراها.

بالطبع لا يجب أن ننشغل بمثل هذه التافهات التي تقع من وقت للآخر!

…..

بعد الحرب العالمية الأولى وإزالة الجيش البريطاني المدافع من فوق الدبابات، ووضع أبواق مكانها، أدرك العالم أن صفًّا واحدًا من الجنود لا يكفي.

المعارك تحتاج إلى صفين من الجنود، جندي يقف وراء المدفع، وجندي يقف أمام الكاميرا، سلاح الأول قذائف وسلاح الثاني دعاية.

إعلام جنود الصف الثاني ليست مهمته نقل الواقع، ولكن مهمته صياغة واقع، مهمته أن يخلق حالة من اعتياد ما هو غير عادي، أو بلغة علم النفس “إزالة حواجز الاستغراب والاستبعاد”، فيصبح إجرام السلطة “أمرًا عاديًا”، حيث يدخل في نطاق “الإمكان العقلي وهو أول درجات الإمكان الواقعي”.
باختصار، مهمة جنود الصف الثاني هي تصفية الأغلبية شعوريًا، تاركين لجنود الصف الأول مهمة تصفية الأقلية جسمانيًا.

(4)
“في واحدة اسمها شيماء الصباغ اتقتلت، حد يصيغ خبر”.

ينطق زميلي في غرفة الأخبار بهذه الكلمات، كانت تعبيرات وجهه وهو يقولها لا تشي بشيء غير مألوف قد حدث في مكان لا يبتعد كثيرًا عنه.

يبدو أننا لم نستطع التغلب على الواقع، فاكتفينا باستئناسه.

أدخل على “فيسبوك” بعد انتشار خبر مقتل شيماء، وجدت تعليقات على هذا الخبر من نوعية التعليقات المأخوذة من تراث العفن الذي أهملناه فأحدث غرغرينا.

“إيه اللي وداها هناك؟”، هناك أسئلة كثيرة في مصر والعالم العربي لا يجب حتى مجرد طرحها، للأسف ليس من بينها هذا النوع من الأسئلة.

وسط التعليقات الملونة، ودعوات لعب “كاندي كراش”، وجدت رسالة كادت أن تتوه، أرسلها صديق ألماني لي تعليقًا على مقتل شيماء: “إنها كارثة، كيف تقتل إنسانة لا تحمل إلا الزهور”.

هو يرى أنها كارثة، أنا نفسي لم أكن أشعر بأنها قد وصلت إلى درجة الكارثة.

بعد الحادثة بعدة أيام، تجمع عدد من النساء للتنديد بمقتل شيماء، على الجهة المقابلة للوقفة تجمع عدد من الرجال، أو هكذا يبدون، يتهمون النساء بأنهن مأجورات “لضرب استقرار البلد”.

هم يرون أن مقتل مواطنة لا يهدد استقرار البلد، ولكن الاعتراض على قتلها هو ما يهدد الاستقرار!

بعد حادثة العريش توجهت إلى أحد مصادري الحزبية بسؤال: “هل يمكن تأجيل الانتخابات البرلمانية بعد حادث مقتل الجنود؟”، فرد: “مش مستاهلة”.

فعلًا “مش مستاهلة”، ما الذي يمكن أن يغيره حادث مقتل جنود، غير العدد المسجل في قائمة الشهداء؟!

جاء تعليق الفنان أحمد حلمي على الحادث مؤثرًا بشدة “إحنا زي الحفرة كل ما تخدوا منها هتزيد”، فرد عليه واحد من اللي بيطلعوا على قنوات الإخوان ساخرًا “مصر خرم كبير”.

قالها وهمه أن يرد على حلمي الذي وجه في ثنايا كلامه نقدًا للإخوان، ولم يهمه أن سخريته تمس دماء لم تجف بعد.
أتابع التعليقات على خبر عن ما دونته خطيبة أحد شهداء في حادث العريش الإرهابي، فأجد تعليقًا يدور حول الهيئة التي تبدو عليها خطيبة الشهيد في صورة الخبر، ولله في خلقه شؤون.

إننا لم نستطع أن ننقذ الوطن، ولم نستطع كذلك أن ننقذ أنفسنا، طالبنا بسقوط النظام، فبقى النظام، وسقطت إنسانيتنا.

 

(5)

الحقيقة، إني خائف، لست خائفًا من أن أُقتل، فهذه رفاهية شعورية تجاوزتها منذ فترة.

أخاف من أن أٌقتل بدم بارد، وأن يرقص على دمائي على أنغام “تسلم الأيادي”.

أخاف أن يصبح مقتلي مؤشرًا في بورصة المتاجرة بالدماء.

أخاف من جرافتي يوضع على جدران نقابة الصحفيين بجانب رفاق آخرين، وبعد فترة تُدفن ملامحه تحت الغبار.

أخاف من أن يتناول الآخرين خبر مقتلي على صفحاتهم بين التبرير والمتاجرة.

أخاف أن يضيع وسط هذا الركام التعليق الوحيد الذي تعامل معي بكوني إنسانًا، وغالبًا لن ينظر إليه أحد، فصديقي الألماني لا يكتب بالعربية.

أخاف من هذا لأنه خطير، ولكني أخاف أكثر مما هو أخطر.

أخاف حقًا من أن يتعامل الآخرين مع مقتلي على أنه الـ”عادي” بتاع اليومين دول، ولكني أخاف أكثر من أصل لمرحلة أن أنظر لمقتل الآخرين على أنه شيء “عادي”.

أخاف حقًا من تبرير قتلي، ولكني أخاف أكثر من أن أصل لمرحلة تسمح فيها نفسي بتبرير مقتل الآخرين.

أخاف حقًا من أن أقتل فلا أجد غير اللامبالاة، ولكني أخاف أكثر من أن تقتلني اللامبالاة.

في الحالة الأولى سيسفك دمي، وفي الحالة الثانية لن يكون لدي في الأساس دمًا، وهذا هو الأخطر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد