رأيتهم يعلون السور القصير الذي لا يتجاوز ارتفاعه الخمسون سنتيمترًا المحيط بالساحة الواسعة لأكبر جوامع المدينة والذي مضى على بنائه أكثر من خمسين عامًا ليصبح محاطًا بجدار قبيح ارتفاعه قرابة المترين وبوابات حديدية صدأة تحت دعاوى إيقاف زحف الشحاذين ومتسولي الرحمة على ساحة الجامع والحد من خروج المظاهرات منه.

 

كانت الساحة الكبيرة متنفسًا للأطفال يلعبون فيها الكره في النهار بعد أن ضيق عليهم العائدون من بلاد النفط المدينة الصغيرة التي كانت جميلة في الماضي بأبراجهم الإسمنتية الخالية من أي ذوق جمالي ومأوى للمشردين بالليل ومكان صالح لانتظار عدالة السماء التي تأخرت بعد أن حجبتها الأسوار العالية لمحكمة المدينة الأرضية.

 

“علّي في سور السجن وعلي .. بكرة الثورة تشيل ما تخلي”، هتاف من أبرز هتافات المظاهرات المعارضة لحسني مبارك قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير.

 

الثورات فعل ضد الخوف، تحدث لتسحق الجدران العالية، وتزيل الحواجز التي تقطع أوصال الشوارع وتفصل بين البشر، تهدم جدران السجون والقصور لتحولها إلى متاحف مفتوحة وملاعب رياضية وحدائق خضراء وساحات للغناء لتكون شاهدة على أن كتل الاسمنت الصلبة مهما علت لا يمكن لها أن تصمد أمام مسيرة الحياة ولا أن توقف كتابة التاريخ، يمكن لها أن تعطله قليلًا لكنها بالتأكيد زائلة كما زال من الوجود جدار برلين بعد أكثر من ثمانية وعشرين عامًا ظن خلالها من بنوه أنه باقٍ للأبد، وكما يظن البعض أن بأمكان أسوارهم العالية أن تحجب شمس الربيع.

لكن ماحدث في مصر بعد الخامس والعشرين من يناير هو العكس، لم تهدم سجون كما فعلت “ثورة تصحيح” السادات بالعنبر رقم 11 في ليمان طره بمشاركة نزلائه السياسيين السابقين ولو بشكل استعراضي، ولم تحول أسوأ السجون سمعة إلى مزارات سياحية كما حدث مع سجن جزيرة آيلاند الذي قضى فيه الراحل خالد الذكر “نيلسون مانديلا” أكثر من ثمانية عشر عامًا، ما حدث هو اعادة ترميم السجون وبناء أخرى جديدة!

ارتفعت أسوار قصر الاتحادية، وارتفعت أسوار الجامعات حتى باتت أشبه بالمعتقلات، واستبدل المواطنون أبواب بيوتهم الخشبية بأخرى مصفحة، وقطعت أوصال القاهرة وشوارعها وأغلب المدن بالحواجز الإسمنتية والبوابات الحديدية، الكنائس والمساجد ارتفعت أسوارها أيضًا وأغلق من بداخلهم أبوابها على أنفسهم، المحاكم بدلًا من أن تكون ملجأ للمظلومين بلا أسوار أصبحت رؤية أسوارها العالية تثير انقباض القلب.

غاب العدل، وأقبل الإرهاب بوجهه القبيح، وعم الخوف، وارتفعت الأسوار، وأصبح الجميع يخاف من الجميع، وصرنا نعيش في سجن كبير.

 

لا تحيا الحياة، ولا معنى لها داخل الأسوار، لا يمكن أن يكون الحل لكل مشاكلنا دائمًا هو الحل الأسهل الأفشل. هناك إرهاب، وهناك جريمة، وهناك تظاهرات سلمية، ومطالب مشروعة، وعدالة غائبة، أتفهم الإجراءات المؤقتة ولكن أربع سنوات كثير، كثير جدًا.

لا أتفهم سخافات الأكمنة الثابتة، فالإرهابي لن يقود سيارته ويأتي لعندك في الكمين إلا ليقتلك، فلماذا الزحام؟ ألا تكفي الحواجز الإسمنتية والأسوار العالية؟ لا أتفهم التضييق على ناس ارتضوا بأن يمارسوا حريتهم وحياتهم داخل جدران بيوتهم، فلم ترض بهم الجدران لأن حريتهم لا تعجب المتلصصين القابعين خلفها، لا أتفهم أن يكون “الحيطان ليها ودان” ولا أتفهم العقاب الجماعي.

كما سقط في السابق جدار برلين، وهدمت الثورة الفرنسية معتقل الباستيل، وأزيلت الحواجز بين بيروت الشرقية والغربية، وأصبح سجن مانديلا مزارًا سياحيًا، وكما زال مانع “بارليف” الحصين، وكما حولت الثورة الجورجية مباني وزارة الداخلية من قلاع حصينة إلى مبانٍ زجاجية شفافة، سيهدم جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، وستزول جميع الحواجز التي تفصل بين البشر.

الأسوار العالية لن توقف الحياة، ولا تمنع الموت أيضًا فلماذا تبنونها؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد