ما تزال عقدة الذنب حاضرة بقوة في العقلية الألمانية، علي الرغم من مرور أكثر من 70 عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية. ففي يوم 26 أبريل (نيسان) 2018 أقر البرلمان الألماني البوندستاج مشروع قرار بيهودية إسرائيل معتبرًا أن حق إسرائيل في الوجود غير قابل للمساومة، وذلك بمناسبة الذكري السبعين لتأسيس إسرائيل.

وقد حظي هذا القرار بقبول الغالبية العظمي من أعضاء البوندستاج، حيث وافق عليه كتلة الاتحاد المسيحي المكون من حزب المستشارة أنجيلا ميركل المسيحي الديمقراطي، وشقيقه البافاري الاجتماعي المسيحي، كذلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الحر الليبرالي، وحزب الخضر، وحزب البديل لألمانيا اليميني الشعبوي، بينما تحفظ علي القرار حزب اليسار. كما تطرق القرار إلى معاداة السامية، معتبرًا أن حل الدولتين هو المخرج الوحيد لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط. ويؤكد القرار على يهودية دولة إسرائيل وديمقراطيتها واستقلالها، بالإضافة إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهو ما يعكس الرؤية الألمانية الخارجية للقضية الفلسطينية.

وكان حزب اليسار قد تحفظ علي القرار، بعدما تم رفض مشروع قرار مماثل كان قد تقدم به مع حزب الخضر يطالب كافة الأطراف بالالتزام بالقانون الدولي، وهو ما يعني ضمنًا التنديد بسياسة الاستيطان وتأكيد حق العودة.
وقد خلا القرار في البوندستاج من أية إشارة إلى العدوان الإسرائيلي بحق الفلسطينين في قطاع غزة في الأسابيع الماضية.

ولم يكد يمر الأسبوع حتى التقطت إسرائيل الخط وصادق الكنيست في الأول من مايو (أيار) 2018 على القراءة الأولى لقانون القومية، الذي يعتبر إسرائيل الدولة القومية لليهود في العالم والقدس عاصمة لها، وأن اللغة العبرية هي لغة الدولة.
ويسمح هذا القانون بإقامة بلدات لليهود دون الفلسطينيين ومنع غير اليهود من السكن في تلك المدن.

والاعتراف بيهودية إسرائيل يعني – وفق منطق حكومة بنيامين نتنياهو – هو التزام كامل بكافة الاجراءات التي تتخذها إسرائيل لترسيخ طابعها اليهودي، ضاربة عرض الحائط بديمقراطية الدولة التي طالما تغنت بها الحكومات الإسرائيلية السابقة. ولم يكن من سبيل الصدفة أن يأتي هذا المشروع للبرلمان الألماني بعد تنامي ظاهرة معاداة السامية التي شهدتها ألمانيا في السنوات الأخيرة.

ألمانيا ومعاداة السامية

في الأسابيع الأخيرة انتشر فيديو علي مواقع التواصل الاجتماعي لشاب عربي يضرب بحزام في يده شخصًا عدة مرات، وهو يصيح: يهودي، قبل أن يتدخل شاب آخر بإبعاد المعتدي، وفي الخلفية يسمع صوت امرأة تتحدث الإنجليزية وتقول: اتصل بالشرطة.

وكان شابان قد تعرضا للضرب في منطقة برينسلاوربرج بسبب ارتدائهما للقبعة اليهودية الكيبا. وكشفت الشرطة في برلين أن المعتدي – الذي سلم نفسه للشرطة – هو شاب سوري لاجئ. وما أن انتشر هذا الفيديو حتى تناقلته وسائل الإعلام الألمانية المختلفة، وأثار موجة استياء شديدة في الشارع. وكان المجلس الأعلى لليهود في ألمانيا قد حذر من ارتداء الكيبا، لما تحمله من مخاطر العرضة للاعتداء في شوارع ألمانيا.

قبل هذا الاعتداء بأسابيع، شهدت برلين واقعة أخرى في إحدى المدارس الابتدائية؛ إذ هدد بعض التلاميذ من أصول عربية تلميذة يهودية في الصف الثاني الابتدائي بالقتل. وقد دعي قيادي في الحزب المسيحي الديمقراطي فولكر كاودر، بالإبلاغ عن حوادث معاداة السامية في المدارس. ويعتبر لفظ يهودي في المدارس في ألمانيا ذو دلالة سلبية، وعندما يستخدم من قبل البعض فهو إشارة إلى السب.

وما أن انتشر فيديو الاعتداء في وسائل الإعلام حتى انتفضت ولاية برلين في مظاهرة على أعتاب بوابة برادنبرج الشهيرة التي تبعد خطوات من ضريح الهولوكوست لليهود تنديدًا بمعاداة السامية. وارتدى بعض المتظاهرين قبعة الكيبا اليهودية مؤكدين رفضهم لتنامي معاداة السامية.

وكانت هذه التظاهرة قد جمعت أطياف مختلفة من سياسيين ومواطنيين عرب ومسلمين إلى جانب المواطنين الألمان تحت شعار برلين ترتدي الكيبا. وكان للمسلمين موقف واضح؛ حيث شبه رئيس المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا أيمن مزيك معاداة السامية بأنها خطيئة.

إلا أن الكلام عن معاداة السامية هذه المرة اقترن بشكل واضح بانتقاد اللاجئين الجدد، في إشارة إلى أنهم جلبوا معهم معاداة السامية. وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد استخدمت لفظ مستورد عندما قالت في حديث لها في القناة العاشرة الإسرائيلية يوم 23 أبريل (نيسان) 2018: لدينا الكثير من اللاجئين بينهم مثلًا أناس من أصل عربي يجلبون شكلًا جديدًا من معاداة السامية إلى البلاد.

وكان مشهد حرق العلم الإسرائيلي قبل شهرين من قبل بعض المتظاهرين العرب في برلين في تظاهرة احتجاجًا على قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس حاضرًا في أذهان الرأي العام الألماني الذي ربط بين المهاجرين العرب ومعاداة السامية.

ويعد إحراق علم أية دولة جريمة يعاقب عليها القانون الألماني. وفي جملة شديدة اللهجة انتقد الرئيس الألماني شتاينماير حرق العلم الإسرائيلي في تظاهرة برلين بالقول: إن من يفعل ذلك لا يفهم ولا يحترم معنى أن يكون ألمانيًا.

وذهبت نيكولا بير الأمينة العامة للحزب الديمقراطي الحر الليبرالي إلى الحديث عن ترحيل المهاجرين الذين يظهرون معاداة للسامية بشكل علني.

ولا شك أن عقدة الذنب لدى الألمان والإرث النازي لمعاداة السامية مازالت هي المحرك الهام للسياسات الألمانية.
فلأول مرة عينت برلين مفوضًا خاصًا لقضايا معاداة السامية في ألمانيا.

هل معاداة السامية سببها المهاجرون العرب؟

بالطبع لا.

فوفقًا لإحصاءات الشرطة الألمانية لسنة 2017، فإن هناك نحو 1,453 حادثة اعتداء لفظي أو فعلي على يهود أو منشآت يهودية في ألمانيا، من بين تلك الحوادث هناك 1,377 حادثة ضد اليهود قام بها اليمين المتطرف الألماني، أي أن أكثر من 95% من حالات الاعتداء علي اليهود في ألمانيا المسؤول عنها هو اليمين النازي.

ويحاول حزب البديل لألمانيا اليميني الشعبوي النأي بنفسه عن اتهاماته بمعاداة السامية. فحينما صرح جيديون البرلماني في الحزب عن ولاية بادن فوتمرج بأن اليهودية هي العدو المحلي، والإسلام بالعدو الخارجي للغرب المسيحي قامت قيادة الحزب بسحب الثقة منه واستبعاده من الحزب.

كما وصف العضو البارز في الحزب بورن هوك ضريح الهولوكوست في برلين بأنه ضريح العار، رافضًا وصف الزعيم النازي هتلر بالشرير، وهو الأمر الذي سبب حرجًا بالغًا لحزب البديل لألمانيا الذي كان قد حصل على 13% من مقاعد البرلمان الألماني؛ ليصبح بذلك أقوى ثالث حزب في ألمانيا بعد حزبي الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي.

وكان لـهوك تصريحات عنصرية أخري ضد المسلمين؛ إذ قال: إن الإسلام لا ينسجم مع قيمنا وأسلوب حياتنا، وأضاف: علينا أن ننظر إلى الإسلام على أنه تهديد جدي لنا.

تضخيم إعلامي واستغلال سياسي

على الرغم من أن القليل من الحوادث الفردية لمعاداة السامية منسوبة لمهاجرين من أصول عربية بالمقارنة بضخامة الأرقام المنسوبة لليمين المتطرف في ألمانيا، إلا أن هناك تركيزًا إعلاميًا متعمدًا على أية حادثة يقوم بها عرب أو مسلمون.

ففي جلسة البوندستاج الخاصة بالاعتراف بيهودية إسرائيل يوم 26 أبريل 2018، بدا توظيف معاداة السامية واضحًا في السجال الدائر بين الأحزاب السياسية في البرلمان الألماني.

فقد اتهمت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر كاترين جورينج إيكارد حزب البديل لألمانيا الشعبوي أنه فاقد للمصداقية، ووصفت رئيسه في البرلمان غاولاند بأنه ذئب في ثوب حمل؛ وذلك لأنه لم يقم بإدانة تصريحات هوك العنصرية ضد اليهود.

كما اتهم نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الحر، ألكسندر لامبسدورف، أعضاء حزب اليسار، بأنهم يدعمون حركة بي دي إس التي تدعو إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

وكان لحزب البديل لألمانيا اليميني الشعبوي نصيب في استغلال معاداة السامية للنيل من الحكومة الألمانية بعدما اتهمت النائبة بياتريس فون شتورش الحكومة بأن مساهمتها في تمويل وكالة غوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، تعد نوعًا من العداء للسامية.

توظيف الجدل بشأن الإسلام والمسلمين

وتحاول الأحزاب السياسية الألمانية بين الحين والآخر توظيف الجدل بشأن الاسلام في ألمانيا واللاجئين لتحقيق مكاسب سياسية، حتى لو كان على حساب قضايا الاندماج والسلم الداخلي.

ففي كل مرة تشهد فيها ألمانيا حدثًا يكون المتهم فيه لاجئ مسلم أو عربي، يعاد الحديث في أروقة السياسة الألمانية عن جدوى سياسة الباب المفتوح التي اتبعتها المستشارة (ميركل) لاستقبال اللاجئين سنة 2015، والتي أدت إلى خلاف جذري في كتلة الحزب المسيحي نفسه، إذ كان زيهوفر وزير الداخلية الألماني الحالي والرئيس السابق لحزب الاجتماعي المسيحي في بافاريا ينتقد دوما فتحها الحدود في وجه اللاجئين.

ففي تصريح مثير للجدل قال زيهوفر وزير الداخلية الالماني في الحكومة الجديدة أن الإسلام لا ينتمي لألمانيا، إلا أنه أضاف بالطبع المسلمون الذين يعيشون معنا بنتمون إلى ألمانيا، وتعهد بتشديد إجراءات اللجوء وسرعة ترحيل من لا يقبل طلب لجوئه. ولم تجد ميركل بدًا من الرد الفوري بإعلان اختلافها القاطع مع تصريحات زيهوفر، مؤكدة أن الإسلام جزء من ألمانيا. وتحرص المستشارة على مشاركة المسلمين في مناسبات مختلفة مثل حفلات الإفطار الرمضاني التي دأبت الجالية المسلمة، وكذلك وزارة الخارجية الألمانية على إقامته كل سنة.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى قرار مجلس حكومة ولاية بافاريا تعليق الصليب في كافة مداخل المباني الإدارية للولاية ابتداء من الأول من يونيو (حزيران) 2018، كتأكيد على الطابع التاريخي والثقافي لولاية بافاريا، حسب البيان الصادر عن مجلس الولاية. ويبدو أن حزب الاجتماعي المسيحي يناقض نفسه بهذا القرار، حيث كان قد نادى في وقت سابق في نهاية عام 2016 بحظر ارتداء الحجاب بالنسبة للقاضيات وممثلات الادعاء في جميع قاعات المحاكم الألمانية إن إمكن، وذلك حرصًا على حيادية القضاء، بينما هو نفسه الآن يقر بوضع الصليب في كافة الهيئات بما فيها المحاكم في الولاية.

ويحاول حزب الاجتماعي المسيحي” المناورة السياسية باللعب على ورقة اللاجئين والجدل المثار بشأن المسلمين في ألمانيا من أجل تحقيق مكاسب انتخابية، خصوصًا أن ولاية بافاريا على أعتاب انتخابات برلمانية محلية في الإقليم في أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

وتشير آخر استطلاعات الرأي قام به مركز سيفي لقياسات الرأي في أبريل 2018 في ولاية بافاريا، تشير إلى حصول حزب المسيحي الاجتماعي على 44 مقعد من أصل 180 مقعد في برلمان الولاية، بينما يحصد حزب البديل لألمانيا اليميني الشعبوي على 12 مقعدًا ليدخل بذلك برلمان الولاية لأول مرة ليصبح كما في البرلمان الاتحادي ثالث أكبر حزب.

ويحاول زيهوفر تفويت الفرصة على الشعبويين، ولكن بنفس الأسلوب الشعبوي الذي يلعب على وتر الأقليات الدينية لكسب تأييد الناخب الألماني.

وقد لاقي هذا القرار البافاري انتقادات حادة، حيث انتقد عالم اللاهوت الكاثوليكي جورج إيسن قرار مجلس وزراء بافاريا، قائلًا: كنت أظن أن الصليب رمز للفداء المسيحي الذي وهب من قبل الرب.  كما انتقد زعيم حزب الديمقراطي الحر الليبرالي كريستيان ليندنر القرار قائلًا في تغريدة علي حسابه الشخصي في تويتر: إن ما يفعله ماركوس زود (رئيس وزراء ولاية بافاريا) باستمرار من استغلال الدين من أجل سياسة الحزب يذكرني الآن بأردوغان.. الدستور الألماني ليس له علاقة بالدين.

ولا شك أن التشنج المتزايد بشأن موضوع اللاجئين، والذي ساهم الإعلام في تسليط الأضواء عليه، بالتركيز بشكل كبير على أي حادث إرهابي أو اعتداء يقوم به لاجئ من أصول عربية ضد يهود في ألمانيا، أو أحداث التحرش الجنسي الجماعي في مدينة كولونيا ليلة رأس السنة 2016، لا شك أنه قد ساهم في تبني بعض السياسيين الألمان لخطاب شعبوي من أجل التأثير على الناخبين. فالخوف من تنامي العداء للسامية في ألمانيا التي ما زالت تكفر عن ذنب الهولوكوست، بالإضافة إلى الشكوك التي تفوح من الخطاب السياسي لمدى تأثير الإسلام على منظومة القيم العلمانية للدولة، قد أصبحا أحد أحجار الزاوية في أي رهان سياسي داخلي بين الأحزاب السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد