محمد علي
محمد عليمحروس

ليست المرة الأولى التي تصوّب الأحداث مجرياتها نحو المنطقة بهذا الرتم المتسارع؛فمنذ التقسيم الإنجليزي الفرنسي الذي تناول كعكة الشرق الأوسط بنهم شديد وعجلة الصراعات لا تكاد تفارقنا،ما إن تطوى صفحة حتى تفتح أخرى بشكليات جديدة وأساليب غير معهودة، وكالعادة ليس أفضل من الصراعات كي تبقى المصالح قائمة والمآرب مستمرة كما خطط لها.

كيانٌ دخيل لضمان صراع مستقبلي

مع تغير قوى العصر المتعاقبة منذ التداخل الحضاري المريب عقب البداية الحمراء للقرن العشرين تغيرت الأدوات المستخدمة في الإلهاء،فبعيد الآلة الإستعمارية التي استخدمت الثقافة العنصرية حينها بإفراط مما تمخض عن ذلك ولادة الكيان الصهيوني المتشكل في دولة اسمها إسرائيل لينحصر الدور الفاعلي عليها لإعادة تشكيل ملامح المنطقة فترة من الزمن، بما في ذلك ردات الفعل المترتبة على خطوة تأسيس الكيان العنصري الذي لا صلة له بالتسامح الحضاري شعار المرحلة حينها.

لا جديد في التبعات، قوى الاستعمار انسلت شكليا بعد أن حققت مرادها، وأعلنا أيام نصرنا الوهمية على إثر ذلك بعد أن قتل منا الملايين وتشبعت الأرض بالدماء، وأعيد تحديد مناطق بمسميات أصبحت دولا، وزرعت الضغينة بينها؛ ليصبح الصراع المستقبلي مسألة وقت لا أكثر وزيادة على ذلك جسم غريب أرغمونا به دون اعتبار للتكلفة التي ستبنى على وجوده.

فرض اليهود وجودهم بالقوة فشرعوا بتنفيذ مخططاتهم المعدة سلفا،فمن مجزرة إلى أخرى ومن مخاض إلى مخاض ومن سياق مرسوم إلى آخر، حققوا ما جاءوا من أجله حتى أنهم بنوا علاقات شبه جيدة مع دول عربية محيطة بهم كمصر مثلا.

صناعة الأزمات لتفخيخ المنطقة

أما مخطط تفخيخ قلب العالم (الشرق الأوسط) فقد استمر بغية النيل من الكيان الروحي والأثري والشعائري والمشاعري ومن قبله نهب ثرواته بطريقة سلسة تحت مسميات اعتبارية (تسكينية) لا وجود لها على أرض الواقع بنوا عليها إحداث الشروخ بين دول المنطقة ولعل حربي العراق مع إيران والكويت كانتا أبرز تلك المحطات التي رفدها الغرب واستفاد منها لشرعنة تواجده بشكل أو بآخر في ظل تضاؤل الوتيرة اليهودية وعدم فاعلية أدواتها، وانتهت هذه اللعبة بانهيار جمهورية الخوف في العراق وبدء مسلسل جديد من تغيير ملامح المنطقة فاستهدفت لبنان بحرب 2006 وساد الصراع المذهبي العراق المترهل وشنت حروب آثمة على غزة تخللها اقتتال داخلي على إدارتها.. وظلت الأحداث متواترة على شكل أزمات داخلية ذات بعد سياسي واقتصادي يتفاقم يومًا بعد يوم على مسمع ومرأى من الرعاية الغربية المستمرة والتي ترمي لإسقاط المنطقة.

حلّ الربيع العربي بناءً على الأزمات الداخلية المتشكلة التي لم تعد محط صبر عند الناس، حتى إذا ما انطلقت الشرارة خرج الكثيرون للإصلاح والتغيير وحين لم يُستجب لهم نادوا بإسقاط الأنظمة وإحلال الديمقراطية بعيدة المنال علها تلملم شتاتهم وتبدد عهود معاناتهم مع أنظمة قمعية لا تعترف إلا بمن تقرب منها واقترب.

بصورة أولية نجح الربيع في عبور تونس ومصر ولم يتمكن من استكمال دورته في اليمن وليبيا وسوريا ليخرج على إثرها بمنعطفات حرجة كانت أبعادها تتجاوز الشعوب والمنطقة، فالتدخلات التي فرضتها المرحلة وجدتها فرصة مثالية لرسم الملامح التي طال انتظارها، وهو ما حدث بالفعل.

مسارٌ جديد

التدخل الإقليمي المحدود في اليمن – المبادرة الخليجية – نجح في إزاحة صالح ولم ينجح في تقويض نظامه المتغلغل في كافة نواحي الحياة اليمنية، ولم تفلح ليبيا في إسقاط مستبدها، إلا باستخدام القوة العسكرية، أما سوريا فاتخذت مطية لإعادة الأمور إلى نصابها الاستبدادي مع الاستمرار في المخطط التقويضي الرامي لانهيار المنطقة وإعادة تشكيلها حسب ما خطط له مسبقا.

لم يزهر الربيع، وتحوّل إلى خريف أسقط أوراق من تصدروا مشاهده وإلى صيف حار أشعل حروبا فضائية لم تكن في الحسبان، فظهر تنظيم داعش وظهرت معه تشكيلات مسلحة أخرى تحت مسميات مفروغة المضمون إلا من الثقافة العنصرية والتعبئة المذهبية التي أفلحت حتى اللحظة من تحقيق دورها المرسوم على أكمل وجه.. إضافة للتحالفات التي ولدتها الأحداث بدءا بالتحالف الدولي في ليبيا، ثم مواجهة داعش ثم التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن، ولا ندري ما قد يتمخض عن التطورات المتسارعة التي تشكل تحالفات جديدة مع كل تطور جديد.

فتقزمت العراق وتاهت لبنان وأنهكت اليمن وترهلت سوريا وتشتت ليبيا وحًيّدت مصر والدول الأخرى فانهمكوا في أتون ما أثير من مشاكل داخلية حتى تتم اللعبة.

هل اكتملت الصورة؟

ها هي الصورة اليوم مكتملة بما لا يدع مجالا للتشكيك، فتلك الدول – أي دول الربيع – منشغلة بما فيها، أما الأخرى فتائهة في البحث عن ذاتها وكيانها في عالم مجهول من الصراع على الريادة والسيادة أيهم يكون في مقدمة المعتمد عليه لقيادة دفة المنطقة في ظل التواري المدروس لإسرائيل عن الصدارة وتحقيق إيران لكل الرغبات الغربية من خلال أدواتها المنتشرة على أساس سلالي ومذهبي ورفض تركيا لمثل هذه النزوات التي لا تتوافق مع مشروعها الإستراتيجي؟

لا نملك حق الجرأة الفكرية وليس بمقدورنا أن نتبع مؤشرات التفكير الإيجابي وإشارات الواقع الداعية لمزيد من التماسك،ولأن من يملكون القرار هم مجرد أدوات تسمع وتطيع فها هو الشرق الأوسط والدول العربية على صفيح ساخن لا يُدرى إلى أي هاوية يجر به في ظل الطفرة الأخيرة على مستوى العلاقات الخليجية البينية ومحاولة تحييد قطر، بالإضافة إلى التغييرات السعودية المجهولة التي لا يستطيع أحد التكهن بحيثياتها المستقبلية بسبب الخطوات المتسارعة المتبعة للتحول إلى دولة حديثة مهما كانت التكلفة، وهو ما قد يمثل فخاً لدولة كالسعودية لها ثقلها السياسي والاقتصادي في المنطقة.

على من الدور؟

دوامة الصراع مستمرة في تكوين ملامح الشرق الأوسط فرزمة المشاريع الغربية توجب أن تظل المنطقة مشتعلة دون النظر إلى الكلفة والتكلفة.. البون الثقافي والثقافة العنصرية وإذكاء صراعات بينية لأسباب هلامية وانعدام الجرأة الفكرية أسباب تكفلت بإعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط كما أرادت أمريكا وبما يتلاءم مع التواجد الكياني لإسرائيل وبما يجعل من إيران دولة مستأثرة لها أياديها العابثة التي تستخدمها متى وكيفما شاءت،أما تركيا فوحدها التي تستخدم حنكتها السياسية للحد من سوء هذه التطورات من خلال مجاراتها للأحداث على المستويين الداخلي والخارجي كما هو مرسوم ودون الارتهان لجهة على أخرى.

هذه الملامح المتشكلة اليوم على الأسس المتبعة منذ حروب بداية القرن العشرين تجعلنا أمام تحديات كبيرة تهدد وجودنا لصالح المشاريع الاستعمارية الدخيلة وجودا وفكرا وهذا ما نخشاه في ظل عملية التجاوب والخضوع التي تبديها الأنظمة العربية المترهلة وقادتها المنغمسون في هوس السلطة مهما كانت العواقب.

وتظل التساؤلات التي تفرزها الأحداث كما هي، باستثناء: على مَن الدور غدا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك